ابن النفيس

38

شرح فصول أبقراط

مثلي فمن دوني ، وجعلته وقفا على الملك والمملوك والجندي والأمير والكبير والصغير والحر والعبد الذكور والإناث ، ورتب فيه العقاقير والأطباء وسائر ما يحتاج إليه من به مرض من الأمراض ، وجعل السلطان فيه فراشين من الرجال والنساء لخدمة المرضى ، وقرر لهم المعاليم ونصب الأسرّة للمرضى وفرشها بجميع الفرش المحتاج إليها في المرض ، وأفرد لكل طائفة من المرضى موضعا ؛ فجعل أواوين المارستان الأربعة للمرضى بالحميات ونحوها ، وأفرد قاعة للرمدي وقاعة للجرحى وقاعة لمن به إسهال وقاعة للنساء ومكانا للمبرودين ينقسم بقسمين قسم للرجال وقسم للنساء ، وجعل الماء يجري في جميع هذه الأماكن ، وأفرد مكانا لطبخ الطعام والأدوية والأشربة ، ومكانا لتركيب المعاجين والأكحال والشيافات ونحوها ، ومواضع يخزن فيها الحواصل ، وجعل مكانا يفترق فيه الأشربة والأدوية ، ومكانا يجلس فيه رئيس الأطباء لإلقاء درس طب . ولم يحص عدة المرضى ، بل جعله سبيلا لكل من يرد عليه من غني وفقير ، ولا حدد مدة لإقامة المريض به ، بل يرتب منه لمن هو مريض بداره سائر ما يحتاج إليه ، ووكل الأمير عز الدين أيبك الأفرم الصالحي أمير جندار في وقف ما عينه من المواضع وترتيب أرباب الوظائف وغيرهم ، وجعل النظر لنفسه أيام حياته ثم من بعده لأولاده ثم من بعدهم لحاكم المسلمين الشافعي ، فضمن وقفه كتابا تاريخه يوم الثلاثاء ثالث عشر صفر سنة ثمانين وستمائة ، ولما قرئ عليه كتاب الوقف قال للشجاعي : ما رأيت خط الأسعد كاتبي مع خطوط القضاة ؛ أبصر أيش فيه زغل حتى ما كتب عليه . فما زال يقترب لذهنه أن هذا مما لا يكتب عليه إلا قضاة الإسلام حتى فهم ذلك ، فبلغ مصروف الشراب منه في كل يوم خمسمائة رطل سوى السكر ، ورتب فيه عدة ما بين أمين ومباشر ، وجعل مباشرين للإدارة وهم الذين يضبطون ما يشترى من الأصناف وما يحضر منها إلى المارستان ، ومباشرين لاستخراج مال الوقف ، ومباشرين في المطبخ ، ومباشرين في عمارة الأوقاف التي تتعلق به ، وقرر في القبة خمسين مقرئا يتناوبون قراءة القرآن ليلا ونهارا ، ورتب بها إماما راتبا ، وجعل بها رئيسا للمؤذنين عندما يؤذنون فوق منارة ليس في إقليم مصر أجلّ منها ، ورتب بهذه القبة درسا لتفسير القرآن فيه مدرّس ومعيدان وثلاثون طالبا ، ودرس حديث نبويّ ، وجعل بها خزانة كتب وستة خدّام طواشية لا يزالون بها ، ( إلى زمن المقريزي ) ، ورتب بالمدرسة إماما راتبا ومتصدرا لإقراء القرآن ودروسا أربعة