ابن النفيس

39

شرح فصول أبقراط

للفقه على المذاهب الأربعة ، ورتب بمكتب السبيل معلمين يقرئان الأيتام ، ورتب للأيتام رطلين من الخبز في كل يوم لكل يتيم مع كسوة الشتاء والصيف . فلما ولى الأمير جمال الدين أقوش نائب الكرك نظر المارستان ، أنشأ به قاعة للمرضى ونحت الحجارة المبنيّ بها الجدران كلها حتى صارت كأنها جديدة ، وجدّد تذهيب الطراز بظاهر المدرسة والقبة ، وعمل خيمة تظل الأقفاص طولها مائة ذراع ، قام بذلك من ماله دون مال الوقف ، ونقل أيضا حوض ماء كان برسم شرب البهائم من جانب باب المارستان وأبطله لتأذي الناس بنتن رائحة ما يجتمع قدامه من الأوساخ ، وأنشأ سبيل ماء يشرب منه الناس عوض الحوض المذكور . وقد تورّع طائفة من أهل الديانة عن الصلاة في المدرسة المنصورية والقبة ، وعابوا المارستان لكثرة عسف الناس في عمله ؛ وذلك أنه لما وقع اختيار السلطان على عمل الدار القطبية مارستانا ندب الطواشي حسام الدين بلالا المغيثي للكلام في شرائها ، فساس الأمر في ذلك حتى أنعمت مؤنسة خاتون ببيعها على أن تعوّض عنها بدار تلمها وعيالها ، فعوّضت قصر الزمرّذ برحبة باب العيد مع مبلغ مال حمل إليها ، ووقع البيع على هذا ، فندب السلطان الأمير سنجر الشجاعي للعمارة ، فأخرج النساء من القطبية من غير مهلة ، وأخذ ثلاثمائة أسير ، وجمع صناع القاهرة ومصر وتقدم إليهم بأن يعملوا بأجمعهم في الدار القطبية ، ومنعهم أن يعملوا لأحد في المدينتين شغلا وشدّد عليهم في ذلك وكان مهيبا ، فلازموا العمل عنده ، ونقل من قلعة الروضة ما احتاج إليه من العمد والصوان والعمد الرخام والقواعد والأعتاب والرخام البديع وغير ذلك ، وصار يركب إليها كل يوم وينقل الأنقاض المذكورة على العجل إلى المارستان ويعود إلى المارستان فيقف مع الصناع على الأساقيل حتى لا يتوانوا في عملهم . وأوقف مماليكه بين القصرين ، فكان إذا مرّ أحد - ولو جلّ - ألزموه أن يرفع حجرا ويلقيه في موضع العمارة ، فينزل الجندي والرئيس عن فرسه حتى يفعل ذلك ، فترك أكثر الناس المرور من هناك ، ورتبوا بعد الفراغ من العمارة وترتيب الوقف فتيا ، صورتها : ما يقول أئمة الدين في موضع أخرج أهله منه كرها ، وعمر بمستحثين يعسفون الصناع ، وأخرب ما عمره الغير ، ونقل إليه ما كان فيه فعمر به ، هل تجوز الصلاة فيه أم لا ؟ فكتب جماعة من الفقهاء : لا تجوز فيه الصلاة . فما زال المجد عيسى بن الخشاب حتى أوقف الشجاعي على ذلك ، فشق عليه وجع القضاة ومشايخ العلم بالمدرسة المنصورية ، وأعلمهم