ابن النفيس
9
المختار من الأغذية
شفائها نباتات العجائز ، يدخل أصحابها على الساحر مستسلمين لمصيرهم . ولقد انغرست هذه التقاليد في الوعي الإنساني لألوف السنين ، ولم يتخلص الطب من سلطان السحر ، إلا بعد رحلة طويلة من جهد الأطباء في مختلف العصور ، جهد وأكبه تنوير مطرد للوعي الإنساني . لكن آثار الاعتقاد الأول لا تزال تحتل جزءا من تفكير الإنسان ، حتى في وقتنا الراهن ! فلا يزال البعض يسأمون قلة حيلة الطبيب في بعض الحالات ، فيستسلمون كأسلافهم الأوائل لسلطان أحفاد الساحر البدائي ، وهذا ما نراه كثيرا في أكثر المجتمعات المعاصرة تقدما ورقيّا . وعلى الرغم من ارتباط الطب بالسحر في الأزمان الغابرة ، فقد استطاع البدائيون علاج العديد من الأمراض ، واكتشفوا المخدّرات المنوّمة التي تخفّف الألم وتهوّن الجراحات . وكان أغرب ما توصلوا إليه في فنون العلاج ، هو عملية ثقب الجمجمة بالمثقاب . فقد وصلت إلينا جماجم بها آثار تربنة من فجر التاريخ ، كما وصلت بعض أنواع المثاقب التي تتيح مثل هذه الجراحة الدقيقة التي كانت تنجح آنذاك . فالخرق الذي يثقب في جمجمة رجل حي يميل إلى الالتئام بذاته ، وفي الجماجم التي وصلتنا ، نستطيع بوضوح أن نرى نمو استعجاجة Enduration مما يعني أن الذي أجريت له التربنة عاش بعد ذلك زمنا « 1 » . وهكذا كان الطب والتداوي في فجر التاريخ يقومان على العلاقة المباشرة بين آلام المريض وبين ما يخفّف هذه الآلام . هذه العلاقة التي يحدّدها الإحساس وتحتمها الغريزة ، وظلت الخبرة تنتقل من الآباء ، دون أن تتحول لنسق معرفي خاصّ . وكانت هذه المرحلة ، في رأي ميشيل فوكوه ؛ هي العصر الذهبي للمعرفة الطبية . أما الاضمحلال فقد بدأ مع الكتابة والأسرار ، أي مع انتقال المعرفة الطبية إلى المتخصصين « 2 » فقد كان ذلك بداية لتعدّد الفرق المتعارضة والمتناقضة ، بعد حياة ( بلا ضجيج ) كان يعيشها الفن العلاجي قريبا من طبيعة الأشياء .
--> ( 1 ) سارتون : تاريخ العلم ، ترجمة لفيف من الأساتذة ( دار المعارف - الطبعة الرابعة 1979 ) الجزء الأول ص 51 . وقد أحال سارتون القارئ بخصوص تلك النقطة إلى مراجع منها : History of Medicine - La Medicine chez Les PeuPles Primitifs - By Henry Sigerist . وهذه المراجع ذكرها ول ديورانت أيضا في : قصة الحضارة 1 / 138 . ( 2 ) ميشيل فوكوه : مولد العيادة Naissance de La clinique ص 54 . عن د . جعفر : البنيوية بين العلم والفلسفة ص 212 .