ابن النفيس
10
المختار من الأغذية
العلاج في الحضارات القديمة ارتبط أسلوب التداوي في كل حضارة من الحضارات القديمة ، بنظام المعارف والتقاليد الطبية السائدة آنذاك ، وكان المسؤول عن العلاج - سواء الساحر أو الطبيب - ملتزما بجهاز كامل من التصورات الخاصة بطبيعة المرض وأحوال المريض وإلهامات المعالج . . . باختصار ، كان المعالج ملتزما بفلسفة طبية . ولن نسهب هنا في استعراض الفلسفات الطبية التي سادت تلك الحضارات ، وإنما نكتفي بإلقاء الضوء على أثرها في تطور الفن العلاجي ، وأساليب التداوي المتبعة في كل حضارة . . ولنبدأ بحضارتنا القديمة : في مصر الفرعونية ، تقدمت فنون العلاج تقدما كبيرا ، ولم يرتبط العلاج بضروب السحر إلا في حدود معينة ، سنشير إليها فيما بعد ؛ أما في الغالب الأعم ، فقد كان العلاج يقوم على الملاحظة الإكلينكية للأمراض ، وحصيلة التجارب السابقة في علاجها . وعرفت مصر القديمة ( الأطباء المتخصصين ) لأول مرة في تاريخ العلم ، ولم يعد الطب والتداوي عندهم اجتهادا من عجائز الحي ومشايخه ، وإنما كان وقفا على الأطباء . . وكان أقدم الأطباء المعروفين بأسمائهم ، هم ( إمحتب ) وزير الملك زوسر مؤسّس الأسرة الثالثة في القرن الثلاثين قبل الميلاد ، والذي رفعه المصريون إلى مرتبة ( إله الطب ) باعتباره أول رجل عظيم في الطب ، وأول من جعل الطب علما مستقلّا . . ومع ذلك ، فلا يزال مؤرخو العلم يخلعون لقب ( أبو الطب ) على أبقراط اليوناني الذي جاء بعده بخمسة وعشرين قرنا من الزمان . وقد تقدم فن العلاج عند الفراعنة في مجالات الجراحة والأمراض الباطنة ، وكان من الطبيعي أن يتقدم في هذين المجالين ، ففي الجراحة كان لا بد من معالجة أولئك الذين يصابون في عمليات بناء المعابد والأهرامات ، وفي الحروب الكثيرة التي خاضتها مصر في عصر الدولة القديمة ، فكانت الخبرة الجراحية تتراكم باستمرار ، حتى وصلت إلى درجة رفيعة تظهر آثارها في دقة أدواتهم الجراحية ، وفيما قاموا به من عمليات ثقب الجمجمة وجروح الرأس وعمليات الختان وجبر الكسور وخياطة الجروح والتخدير وتضميد الجروح بالأعشاب القابضة وعسل النحل . . وغير ذلك مما