ابن النفيس
8
المختار من الأغذية
بدأ الإنسان في استخدام عقله ، بجانب عضلاته ، لما استقر في الأرض ، واشتغل بالزراعة . وهنا كانت الخطوة الأولى في تطور فن العلاج ، فقد بدأ الإنسان يلاحظ اختلاف النباتات وتباين آثارها عليه : فهذا نبات لذيذ الطعم ، وهذا نبات يقتل من يتناوله ، وهذا نبات يعالج الأمراض . ولعل ذلك ما جعل المؤرخ الشهير ول ديورانت ، يؤكّد أن أول من امتهن حرفة الطب كان ( النساء ) ليس فقط لأنهن الممرضات الطبيعيات للرجال ، أو لأنهن جعلن من فن التوليد أقدم المهن جميعا ، بل أيضا لأن اتصالهن بالأرض كان أوثق من اتصال الرجال بها ؛ مما أتاح لهن دراية بالنبات وخصائصه العلاجية ، فتمكّنت النساء بذلك من التقدم بفن الطب « 1 » . . وهكذا كانت ( المرأة ) أول من خفّف الأوجاع وشفى الأمراض . ويمكننا أن نضيف هنا أن التداوي عند الإنسان البدائي ، لم يكن مهنة لجميع النساء ، وإنما للعجائز منهن خاصة . فهن اللاتي تراكمت في أذهانهن التجارب والمشاهدات ، فتأهّلن بمرور الوقت لهذه المهمة التي صرن بها ذوات نفع في هذا الزمن القديم شديد القسوة . ويبدو أن ذلك استمر لفترة طويلة ، فها هو ابن خلدون في معرض تأريخه لابتداء العلوم ، يذكر أن لأهل البادية طبّا يبنونه في غالب الأمر على تجربة قاصرة على بعض الأشخاص ، متوارثا عن مشايخ الحي وعجائزه « 2 » . ونعود للإنسان البدائي ، حيث كانت أعظم لحظة تحول في التاريخ الإنساني : لحظة اكتشاف النار . يقول ليفي ستروس في كتابه ( من العسل إلى الرماد ) إن الإنسان استعمل النار كي ينتقل بطعامه من حالة النيء إلى حالة المطبوخ ، فكان ( الطبيخ ) رمزا أساسيّا لتحول الإنسان من الطبيعة إلى الثقافة « 3 » . . الثقافة التي ميّزته عن الحيوان ، وجعلت معارفه تتراكم وتزدهر ، وتتعقّد . ولما صارت للإنسان ثقافة ، احتل السحر في ثقافته مكانة متميزة ، انعكست على تطور الفن العلاجي . فقد اعتقد البدائيون أن اختلال حال الجسم ، ناتج عن قوى شريرة فائقة للطبيعة ، تحتاج إلى قوى تناظرها في التفوق . فكانت الأمراض التي تعجز عن
--> ( 1 ) ول ديورانت : قصة الحضارة ، الجزء الأول ، ترجمة د / زكي نجيب محمود ( دار الجيل ، بيروت - المنظمة العربية ، تونس ) ص 137 . ( 2 ) ابن خلدون : المقدمة ( المطبعة الأزهرية بمصر 1349 هجرية ) ص 414 . ( 3 ) د . عبد الوهاب جعفر : البنيوية في الأنثروبولوجيا ( دار المعارف 1980 ) ص 115 .