ابن النفيس

27

المختار من الأغذية

صغيرة متشابهة يمكن رؤيتها فقط تحت الميكروسكوب « 1 » . وقام كلودبرنار ( 1813 - 1878 ) بإرساء المعرفة الطبية على قاعدة التجريب ، منتهيا إلى أن : « تثقيف العالم والمجرّب لا يمكن أن يتم إلا في المعمل الخاص بالعلم الذي يريد مزاولته ، وأن القواعد المفيدة هي التي تستمد فقط من تفاصيل الممارسة التجريبية ، وأن العلوم البيولوجية والطب التجريبي يجب أن يحترسا من خطر الإفراط في التبحر العلمي النظري « 2 » » . . وبذلك تخلّص الطب من النظريات الفلسفية التي أثقلت كاهله . وبلغ التطور قمته خلال القرن العشرين ، ووصلت الفنون العلاجية إلى تنوع لم تصل إليه في أي فترة سابقة ، وتميّزت أمور العلاج بالخصائص التالية : ( 1 ) التخلّص من النظرة الميتافيزيقية للمرض وطبيعة الإصابة به ، وبالتالي طريقة الشفاء منه . . وإن كان هذا التخلص غير تام ؛ فلا يزال البعض - حتى في أشد الدول تقدما - يمارسون طقوسا غريبة لعلاج الأمراض التي يعجز الأطباء عن مداواتها ، فيما يسمونه بالعلاج الروحي ، لكنها في النهاية حالات فردية ؛ لا يمكن إطلاقها على الخصائص العامة للعلاج في القرن العشرين . ( 2 ) التوسّع في الجراحات الدقيقة وعمليات زرع الأعضاء ، وتكديس الجثث للاستفادة منها في استبدال الأعضاء التالفة . ( 3 ) الاعتماد الهائل على ( الميكنة ) ووسائل التشخيص الإكلينكي ( السريري ) بالأجهزة التكنولوجية ( التقنية ) المتقدمة ؛ مما أسهم في تحديد العلاج القائم على التشخيص الدقيق للمرض . ( 4 ) انزوت إلى غير رجعة تلك العلاقة ( الإنسانية ) التي جمعت دوما بين المريض والطبيب ، وصارت الممارسة الطبية أشبه بالعمليات الميكانيكية المباشرة ، ولم يعد الحديث عن ( الأخلاق الطبية ) حديثا مجديا . ( 5 ) مال المعالجون من الأطباء لوصف المضادات الحيوية والأدوية الكيميائية بشكل هائل ، رغم ما تحويه من أعراض جانبية ؛ من شأنها التأثير على جسم المريض تأثيرا لا يقل خطره عن المرض الذي يعالج منه .

--> ( 1 ) أحمد مختار : الإنسان والمرض ( دار المعارف بمصر 1961 ) ص 30 . ( 2 ) كلودبرنار : مدخل إلى دراسة الطب التجريبي ، ترجمة د / يوسف مراد ، حمد اللّه سلطان ( المطبعة الأميرية - بولاق 1944 ) ص 238 .