عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
87
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
في الأيدي والفم بحضرة الرئيس ، وان فعل ذلك بحضرته فاساءة أدب منه فالأولى ستر ذلك . والمتخلل : هو الذي يتخلل بأظفاره أو شعر لحيته ونحوه . أما إذا فرغ من الطعام ودعي الآكلون إلى غسل الأيدي فعليهم أن يفعلوا ذلك برفق وبمنتهى السلوك والأدب الحسن . لذلك أطلقوا لفظ « النفاض » على من إذا فرغ من غسل يده في الطست نفض يديه من الماء فنضح على أصحابه « 1 » . وهكذا نستنتج مما تقدم أن العرب قد ألزموا أنفسهم بسلوك اجتماعي رفيع سواء قبل الطعام أو أثناء تناوله ، أو بعد الانتهاء منه . وكلها أصول ومبادئ تقوم على اللباقة واللياقة أو ما يسميه الغربيون اليوم بأصول « الاتيكيت » في تناول الطعام والجلوس إلى المائدة . سبق إليها أجدادنا وآباؤنا ، ثم أخذها عنهم الأوربيون المتمدنون ، وها نحن أولاد اليوم نعود لنستوردها من المدنية الغربية معتقدين أننا نقلدهم ونماشيهم في حضارتهم الرفيعة متناسين قيمة حضارتنا ، جاحدين حقّ تراثنا العريق الموغل في الرقي والأصالة . علم العرب في الطعام : لقد كان للعرب إلى جانب تلك الآداب علم واسع في الطعام تشهد على ذلك لغتهم الضليعة التي أسعفتهم في وصفه وتعداد أصنافه وصفاته وذكر أسمائه وآدابه وأدواته ، وكل ما يتعلق بذلك من قصص وأشعار وأحاديث نجدها في أمهات كتبهم ، حيث خصوا هذا العم بأبواب ضخمة وعقدوا فصولا له في أشهر مؤلفاتهم نذكر على سبيل المثال لا الحصر ما ذكره ابن سيده في المخصص وابن قتيبة في عيون الأخبار ، والجاحظ في بخلائه وابن عبد ربه في عقده وغيرهم كثير . لقد أمدت اللغة العربية العرب بألفاظ ثرة غنية معبرة عن أنواع من الأطعمة تختلف باختلاف الظروف الاجتماعية والحفلات والولائم التي تقام في المناسبات الخاصة والرسمية إن صح هذا التعبير : فالطعام ضروب والدعوة اسم جامع وكذلك الزلّة ، لكنهم أطلقوا على طعام العرس اسم « الوليمة » كقول الرسول صلى اللّه عليه وسلم لعبد الرحمن أولم
--> ( 1 ) البخلاء : الجاحظ ص 72 .