عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
64
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
والأعشى يفتخر بالكرم مع أن أباه كان يلقب « بقتيل الجوع » وقد هجاه بذلك أحد أبناء عمه فقال : أبوك ، قتيل الجوع قيس بن جندل * وخالك عبد من « ضماعة » راضع ومن البخل الشديد الذي عابه عرب الجاهلية إلى جانب الجوع ، هو أن يمنع الرجل كلبه عن النباح . كقول زياد الأعجم يهجو بني عجل : وتكعم كلب الحي من خشية القرى * وقدرك كالعذراء من دونها ستر « 1 » وقال آخر : نزلنا بعمار فأشلى كلابه * علينا فكدنا بين بيتيه نؤكل فقلت لأصحابي : أسر إليهم * إذا اليوم أم يوم القيامة أطول ؟ على حين مدحوا من يبرز كلبه أو من تأنس كلابه استقبال الضيف وتعتاده ، وأبيات حسان بن ثابت معروفة في هذا المعنى حيث يقول : أولاد جفنة حول قبر أبيهم * قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم * لا يسألون عن السواد المقبل « 2 » وهكذا علمتهم الحياة وعودتهم البادية أن يكونوا كرماء ، يفتحون أبوابهم أمام كل طارق ، ويوقدون نارهم ليهتدي بها الركبان والتائهون في ظلمة الصحراء . لذلك فقد مدحوا أصحاب النيران المضيئة وذمّوا أصحاب الإخماد ، قال الشاعر : له نار تشب بكل ريح * إذا الظلماء جلّلت اليفاعا وما أن كان أكثرهم سواما * ولكن كان أرحبهم ذراعا « 3 » مدحهم لنار الكرماء وقدورهم : وامتدحوا النار الشقراء لأن حطبها يكون يابسا وضوءها أشد حمرة قال الشاعر :
--> ( 1 ) كعم البعير أو الكلب : شد فمه لئلا يعض أو يأكل . وهو كلب لم يعتد نزول الضيفان . ( 2 ) البخلاء للجاحظ : ص 238 ط دار المعارف بمصر . ( 3 ) البخلاء : ص 217 ط ، بيروت ( لبنان ) .