عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

58

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

وقد نصحوا بعدم الاسراف في أكل اللحم ، ولا سيما قبل النوم ، ونصحوا بخفيف العشاء . فقال الشاعر يصف قوما « 1 » : كأن القوم عشوا لحم ضأن * فهم نعجون قد مالت طلاهم « 2 » كما قالوا : « عشاء الليل يورث العشا « 3 » » . وكان العرب يراعون قواعد الصحة في الطعام . فلا يسرفون في الأكل ولا يدخلون الطعام على الطعام ، ولا يكثرون من أكل اللحم لماله من تأثير سئ على الصحة كما رأينا في أقوالهم ونصائحهم الكثيرة . كقول الحارث بن كلدة الطبيب العربي المعروف : « ان الدواء هو الأزم ، وأن الداء هو ادخال الطعام في اثر الطعام « 4 » » . وعابوا البطنة وسرفها وحذروا من سرعة الكظة فقال الأعشى كما رأينا : « والبطنة مما تسفه الأحلاما » كما قال بعض الحكماء : « إذا كنت بطينا فعد نفسك في الزمنى « 5 » » . آداب الطعام والضيافة : وكان لعرب قبل الاسلام آداب وتقاليد يراعونها قبل الطعام وأثناءه وبعده . ومن هذه الآداب أن يغسلوا أيديهم قبل الطعام وبعده ، وإذا أكلوا بسطوا بساطا على الأرض ثم جلسوا صفين من حوله كما نجلس اليوم حول المائدة « 6 » . وعليهم أن يحسنوا الجلسة على السفرة فلا يتكئون بل يجلسون القرفصاء حولها . ولم يعرف العرب قبل الاسلام

--> ( 1 ) الشاعر هو غيلان بن عقبة العدوي المعروف بذي الرمة . الشاعر البدوي وأحد عشاق العرب المعروفين . وصاحبته « مية بنت طلبه بن قيس بن عاصم » ( الأغاني ج 16 - ص 109 ) . ( 2 ) نعجون : ثقل أكل لحم الضأن على قلوبهم . يريد أنهم اتخموا من كثرة أكلهم الدسم فمالت طلاهم ( أعناقهم ) . ( 3 ) عيون الأخبار ج 3 ص 272 - العشا : أن يسوء بصر الانسان أو هو القمي ، أي أن يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل . ( 4 ) البخلاء : للجاحظ ، ص 100 . ( 5 ) الزمانة : تعطيل القوى . والزمنى : ج زمين وهو المصاب بالزمانة أي ضعف القوى . ( 6 ) ابن القيم : زاد المعاد ج 4 - ص 308 .