عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

59

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

المائدة ، بل كان يؤتى بالطعام على طبق كبير من النحاس وعليه صحن واحد ، أو صحون متنوعة ، ويتناول الطعام بالأيدي لعدم وجود الملاعق والشوك في ذلك الوقت . ويكون اللحم مقطعا سلفا عند أهل اليسار ، وتؤخذ من مختلف الصحون قطع من اللحم وتدحرج في الكف حتى تصبح كبة ثم تدفع بثلاثة أصابع إلى الفم . ومن أدب المائدة عند العرب أن تقدم هذه الكبة إلى الضيف أولا ليزدردها ومن سوء الأدب رفضها . ومن آدابهم في الضيافة أن يتقدم صاحب الدعوة مدعوية في غسل يديه لأنه يدعو الناس إلى كرمه ، وأن يتأخر بالغسل في آخر الطعام لينتظر أن يدخل من يأكل من الضيوف الطارقين فيأكل معه . ومن آداب الضيافة أيضا عند العرب تعجيل الطعام فذلك من اكرام الضيف ، وأن لا يكف المضيف يديه عن تناول الطعام قبل ضيوفه ففي ذلك احراج لهم مما يشعرهم بضرورة الاكتفاء والتعفف ، ويضطرون هم أيضا أن يكفوا أيديهم عن الطعام . وعلى المضيف أن يأكل مع ضيوفه أكل الجائع المقرور حتى يشجعهم وينشطهم بأكله . وعلى المضيف أن لا يبادر إلى رفع الأطعمة قبل تمكن زائريه من الاستيفاء حتى يرفعوا الأيدي عنها . وأن يقدم من الطعام قدر الكفاية لأن تقديم القليل من الطعام في اعتقادهم نقص في المروءة . وإذا ما فرغ الضيوف من طعامهم أحضرت إليهم الطسوت ليغسلوا أيديهم . ويجب أن يصب الماء للضيوف أولا زيادة في الإكرام والحفاوة . الطعام والكرم العربي : وقد اشتهر العرب بكرمهم الشديد ، فكانوا يبالغون في إكرام ضيفهم ويجودون بطعامهم سواء كانوا موسرين أو معسرين ولا سيما أهل البوادي منهم ، حتى كانوا يوقدون النار ليلا ليهتدي بها الضيفان الغرباء . يدل على ذلك قول الشاعر : واني لمعط ما وجدت وقائلا * لموقد ناري : ليلة الريح أوقد « 1 » وقال مسكين الدارمي وقد جعل طعامه وقدره شركة مع جيرانه :

--> ( 1 ) زاد المعاد : ابن القيم ج 4 - ص 308 .