عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

379

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

وكان نور الدين الزنكي قبل ذلك قد منع شرب الخمر ، فسار السلاطين الأيوبيون على خطته ، لكن مدينة الموصل عادت إلى الشراب ثانية بعد وفاة نور الدين ، وجهر الناس بذلك ، وزال الحرج على من يتعاطى الغناء والشراب ، يقول العماد الاصفهاني « وكان المرحوم قد أمر بإراقة الخمور ، وإزالة المحظور ، واسقاط المكوس ، وإعدام أقساط البوس « 1 » ، فنودي في الموصل يوم ورود الخبر « 2 » بالفسحة في الشراب جهارا ، ليلا ونهارا ، وما زال العرف ، وعاد النكر ، وانشد قول ابن هانئ : « ولا تسقني فقد أمكن الجهر » وقيل : أخذ المنادي على يده دنّا ، وعليه قدح وزمر ، وزعم أنه خرج بهذا أمر ، فلا حرج على من يغني ويشرب ، وعادت الضرائب ، وضربت العوائد « 3 » » . وهكذا نجد أن العصر الأيوبي يميل اجمالا إلى التقى والزهد على عكس العصر الفاطمي الذي اتصف المصريون فيه بالخلاعة واللهو والمجون ، وربما كثرة الحروب التي كان الشعب يعاني منها ، ثم المجاعات والمحن التي تعرضوا لها جعلتهم ينطوون على أنفسهم في جو خانق من الكآبة والحزن ، بعيدا عن روح المرح والدعابة التي عهدناها في العصر الفاطمي ولدى الشعراء الفاطميين . الطعام والشعر : لذلك نجد شعراء هذا العصر ، العصر الأيوبي ، جادين ينظمون في القناعة والزهد ، بعيدين عن الترف ووصف الموائد ، والتغني بلذات الدنيا من مطاعم ومشارب وغيرها . ولعله من أجل ذلك تهافت الناس تهافتا شديدا على ديوان ابن الكيزاني لما فيه من زهد ، كما يقول صاحب المغرب « 4 » ، وقد غناهم ابن الفارض هذه النغمة فأعجبوا به وبشعره الصوفي إعجابا شديدا ، كما أن عددا من شعراء الخريدة نظموا في الزهد

--> ( 1 ) البوس : هي البؤس ، وقد خففت بتسهيل الهمزة لملاءمة السجع . ( 2 ) أي خبر موت نور الدين . ( 3 ) الروضتين : ج 2 ، ص 592 . ( 4 ) المغرب لابن سعيد : السفر الرابع ، ص 93 ط : ليدن .