عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

378

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

بطالاتهم - فكانت المنكرات ظاهرة فيه ، والفواحش صريحة في يومه . ويركب فيه أمير موسوم « بأمير النوروز » ومعه جمع كثير ويتسلط على الناس في طلب رسم على دور الأكابر ، ويقنع بالميسور من الهبات ، ويتجمع المؤنثون الفاسقات تحت قصر اللؤلؤ بحيث يشاهدهم الخليفة ، وبأيديهم الملاهي ، وترتفع الأصوات وتشرب الخمور في الطرقات ، ويتراشق الناس بالماء والخمر ، وبالماء ممزوجا بالقاذورات . فإن غلط مستور ، وخرج من داره لقيه من يرشه . ، ويفسد ثيابه ويستخف بحرمته ، فإما فدى نفسه واما فضح « 1 » » . وقد أبطل صلاح الدين هذه المظاهر الفاسدة التي شاعت في عيد النيروز ، ومكن الناس من الحياة البريئة الصافية . وبالمقارنة بين حياة الفاطميين والأيوبيين نجد أن الفرق شاسع بين العصرين فقد رأينا كيف انصرف الناس في العصر الفاطمي إلى شرب الخمر وتغنى الشعراء بوصفها ووصف مجالسها وما يدور فيها من تهتك ومجون في حين انصرف شعراء الأيوبيين عنها ونفروا منها مبرزين مساوئها ومضارها . فقد قال أبو بكر الواسطي النحوي مزهدا فيها : لا خير في الخمر فمن شأنها * افقادها العقل وجلب الجنون أو أن ترى الأقبح مستحسنا * وتظهر السر الخفي المصون كذلك انصرف السلاطين الأيوبيون عن شرب الخمر ، وسنوا بذلك سنة لشعبهم كي يمتنعوا عن تعاطيها ، فصلاح الدين كان تقيا ورعا لا يذوقها ولا يسمح بها في مجلسه ، كذلك كان الملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل نور الدين محمود بن زنكي صاحب حلب لا يشربها ، ولما اشتد مرض القولنج به « وصف له الحكماء قليل خمر ، فقال : لا أفعل حتى أسأل الفقهاء ، فسأل الشافعية فأفتوه بالجواز ، فلم يقبل . وقال : ان اللّه تعالى قرب أجلي ، أيؤخره شرب الخمر ؟ . قالوا : لا ، قال : فو اللّه ، لا لقيت اللّه ، وقد فعلت ما حرم علي ، فمات ولم يشرب « 2 » » .

--> ( 1 ) كتاب السلوك : ج 1 ، ص 136 نقلا عن خطط المقريزي : ص 493 . ( 2 ) النجوم الزاهرة : ج 16 ، ص : 89 ، وانظر الروضتين : ج 2 ، ص : 584 .