عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

363

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

سليمان بن جندر « 1 » نصحه بعودة ابنه إلى حكم حلب ، وذلك بأن قال له : « أما تستحي أن يكون الطائر أهدى منك إلى المصلحة ؟ قال صلاح الدين : وكيف ذلك ؟ وهو يضحك قال : إذا أراد الطائر أن يعمل عشا لفراخه قصد أعالي الشجر ليحمي فراخه ، وأنت سلمت الحصون إلى أهلك ، وجعلت أولادك على الأرض . هذه حلب - وهي أم البلاد - بيد أخيك ، وحماة بيد ابن أخيك ، وحمص بيد ابن عمك أسد الدين ، وابنك الأفضل مع تقي الدين بمصر يخرجه متى شاء ، وابنك الآخر مع أخيك في خيمة يفعل به ما أراد ، فقال له صلاح الدين : صدقت فاكتم هذا الأمر ، ثم أخذ حلب من أخيه العادل وأعادها إلى ابنه الظاهر ، وفرق الشام على أولاده فكان ما كان . وزوج السلطان صلاح الدين ولده الملك الظاهر بغازية خانون ، ابنة أخيه الملك العادل المذكور « 2 » » . وهكذا كان لصلاح الدين وسياسته دور كبير في حركة الإفاقة الاسلامية الكبرى في القرن السادس الهجري . وقد كانت الدولة الأيوبية التي أسسها دولة سنية كبيرة موحدة مترامية الأطراف تضم مصر وبلاد الشام ، وقد قضى خمسة عشر عاما في جمع أجزائها المتفرقة حتى استطاع أن يقيم جبهة قوية امتدت من برقة غربا حتى الفرات شرقا ومن الموصل وحلب شمالا إلى مصر واليمن جنوبا . هذه الدولة الكبيرة لم تكن كدولة الفاطميين كثيرة الثراء والرخاء ، بل كانت بحاجة ماسة إلى المال كي تستطيع أن تقف على قدميها اثر النكبات التي نزلت بها ، والحروب التي يجبهها بها الفرنجة الصليبيون بين حين وحين . لذلك وضع السلطان صلاح الدين كما رأينا يده على قصر الخليفة العاضد آخر الفواطم عام 0576 ه 0 وتسلم ما فيه من الخزائن والأموال . وفي حين كان الفاطميون يبنون القصور ويبالغون في الانفاق عليها فإننا نجد السلطان صلاح الدين ينفق هذه الأموال في إقامة الأسوار لتحصين المدن وحمايتها من الأعداء ، فقد انتدب لعمارة أسوار القاهرة في عام 0569 ه الطواشي بهاء الدين قراقوش ، فبنى سورا دائريا عليها ، وعلى قلعة

--> ( 1 ) علم الدين سليمان بن جندر : أمير من رجال الدولة الصلاحية في بلاد الشام كان من أكابر أمراء حلب وخدم السلطان صلاح الدين بالقدس حتى صار شيخ الدولة وكبيرها ، وهو الذي أشار بخراب عسقلان لتتوفر العناية بالقدس ، توفى سنة 587 ه . ( 2 ) النجوم الزاهرة : ج 6 ، ص 31 .