عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

34

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

لكن لنعد إلى التراث ولنتساءل : ألم يكن للعرب مثل هذه النظرات الحكيمة فيما يتعلق بالغذاء وعلم الصحة منذ آلاف السنين ؟ ألم ينهوا عن الافراط في الطعام ويدعوا إلى الاعتدال فيه ؟ ألم ينصحوا بالتناول منه على قدر الحاجة ، والاعتدال في كمّيته وكيفيته ليكون انتفاع البدن بالقليل المتوازن منه أكثر من انتفاعه بالغذاء الكثير والمركّز . ؟ نعم ، لقد سبق العرب هؤلاء الباحثين في معرفة العلاقة بين الغذاء والداء والدواء . فقالوا : « المعدة بيت الداء » . ولطبيبهم المعروف ثابت بن قرة أقوال حكيمة ووصايا صحية نخص منها بالذكر قولا عزاه الغربيون إليهم وانتحلوه لأنفسهم وهو قوله : « ليس أضر بالشيخ من أن يكون له طباخ حاذق وامرأة حسناء لأنه يستكثر من الطعام فيسقم ومن النكاح فيهرم » . ومما قالته العرب في الاقتصاد بالطعام وعدم الانصراف اليه ، واعتباره كل شيء في الحياة قول الأحنف : « جنبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام فإني أبغض الرجل أن يكون وصّافا لبطنه وزوجه ، وان من المروءة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه » . كما نهوا عن إدخال الطعام على الطعام فقالوا : « ان الأكل على الشبع يورث البرص » . ولما جاء الاسلام أحل لهم الطيبات من المآكل والمشرب وأباح لهم التنعم بها فقال تعالى في كتابه العزيز : « كلوا من الطيبات واعملوا صالحا « 1 » » كما قال تعالى : « فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً » « 2 » . ولكن الاسلام نهاهم عن الاسراف في لذة المأكول والمشروب ودعاهم إلى الاعتدال فقال لهم : « وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً » « 3 » . فأرشد عباده إلى إدخال ما يقيم البدن من الطعام والشراب دون الاسراف فيه ، لأن هذا مما يلحق الضرر بالجسم ويسبب له أمراضا كثيرة . كذلك نصحوا في الاحتماء من التخمة والزيادة في الأكل على قدر الحاجة . ووضع الرسول الكريم محمد صلى اللّه عليه وسلم القانون الذي ينبغي مراعاته في الأكل والشراب فقال ( ص ) : ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن ، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه . فإن كان لا بد فاعلا : فثلث لطعامه ،

--> ( 1 ) المؤمنون : الآية 51 مكية . ( 2 ) المائدة : - 88 مدنية . ( 3 ) الفرقان : - 67 مكية .