عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
35
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
وثلث لشرابه ، وثلث لنفسه « 1 » » . فأخبر النبي ( ص ) أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه ، فلا تسقط قوته ولا تضعف معها . فإن تجاوزها فيأكل في ثلث بطنه ، ويدع الثلث الآخر للماء والثالث للنفس . لأن امتلاء البطن من الطعام مضر للقلب والبدن . ولذلك قال رسول اللّه ( ص ) أيضا : « لا تميتوا القلب بكثرة الطعام والشراب فإن القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء « 2 » » . كذلك دعا الرسول إلى عدم الاسراف في الطعام والشراب في قوله أيضا : « البسوا وكلوا واشربوا في أنصاف البطون ، فإنه جزء من النبوة » . وقد سار صحابته ( عليه الصلاة والسلام ) على سنته ، وعملوا بنصائحه فقد قال الشافعي رضي اللّه عنه : « ما شبعت منذ ست عشرة سنة إلا شبعة طرحتها ، لأن الشبع يثقل البدن ويقسي القلب ، ويزيل الفطنة ويجلب النوم ويضعف صاحبه عن العبادة « 3 » » . كما شرب أبو هريرة بحضرة النبي ( ص ) من اللبن حتى قال : « والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكا » . وهكذا أدرك العرب منذ آلاف السنين أن حفظ الصحة موقوف على حسن تدبير المطعم والمشرب وأن الشبع المفرط يضعف القوى والبدن وإن أخصبه ، وإنما يقوى البدن بحسب ما يقبل من الغذاء لا بحسب كثرته أو الإسراف فيه « 4 » . كذلك أدرك أجدادنا أن الطعام المركز يضر بجسم الانسان ويفسد الصحة كما يفعل الطعام المسرف فيه ، لذلك نهوا عن تناول اللحوم والاقتصار عليها كغذاء أساسي ، وحذروا من الإلحاح في تناولها لما تسببه من السموم في الجسم ولا سيما إذا ما جاوزت مقاديرها المعقولة فإنها تضر بالكليتين وبسائر الأعضاء الحيوية وتعجل بالهرم . فقد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : « مدمن اللحم كمدمن الخمر » . وقال علي رضي اللّه عنه : « لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوانات » وقال أيضا : « إياكم وهذه المجاذر ، فإن لها ضراوة كضراوة الخمر » . ورأى رجل رجلا يأكل لحما فقال : « لحم يأكل لحما ، أف لهذا عملا » .
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن حيان . وقال الترمذي حسن . ( 2 ) احياء علوم الدين للغزالي ج 1 ص : 80 - ط : دار المعرفة للطباعة والنشر . ( 3 ) آداب الشافعي لابن أبي حاتم الرازي وهامشه ص : 106 . ( 4 ) الطب النبوي لابن قيم الجوزية ص 12 توزيع المكتبة الأدبية .