عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
327
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
الزيارات القصيرة أو المفاجئة . فيقال « إن عبد اللّه محمد بن مفسر قاضي مصر سمع بأن المادراني « 1 » عمل في أيامه الكعك بالسكر والقرص المسمى « أفطن له » ، فأراد أن يفوقه في الذوق والإكرام » ، فأمر بعمل الفستق الملبس بالسكر الأبيض الفانيد المطيب بالمسك وعمل منه في أول الأمر أشياء عوض لبه لب ذهب في صحن واحد ، فمضى جملة وخطف قدامه ، حيث تخاطفه الحاضرون ، ولم يعد لعمله مطلقا ، واستعيض عنه بعمل « الفستق الملبس » . وكان قد سمع في سيرة المادرانيين أنه عمل له هذا النوع من الحلوى المسمى « الافطن له » وفي كل واحدة خمسة دنانير ، ووقف أستاذ على السماط فقال لأحد الجلساء « أفطن له » . وكان عمل على السماط عدة صحون من ذلك الجنس ، ولم يعمل مما فيه الدنانير سوى صحن واحد ، فلما رمز الأستاذ لذلك الرجل بقوله « أفطن له » وأشار إلى الصحن تناول ذلك الرجل منه فأصاب الذهب واعتمد عليه فحصل له جملة ، ورآه الناس وهو إذا أكل يخرج من فمه ويجمع بيده ، ويحط في حجره ، فتنبهوا له وتزاحموا عليه ، فقيل لهذا النوع من الحلوى منذ ذلك اليوم « أفطن له « 2 » » . . وكما تبارى الأغنياء في اختراع حلوى غريبة وثمنية . كذلك كان الخلفاء والأمراء يتبارون في اقتناء آنية الطعام والشراب الفاخرة النادرة وكانت لهم خزائن خاصة يجمعون فيها نوادر الأشياء وطرائفها فقد كان للفاطميين خزانة للتوابل ، وهذه التوابل منها العالي والدون وهي جملة كثيرة كما يقول المقريزي » ولم يقع لي شاهد بها ، بل إنني اجتمعت بأحد من كان مستخدما في خزانة التوابل فذكر أنها تشتمل على خمسين ألف دينار في السنة ، وذلك خارج عما يحمل من البقولات . وهي باب مفرد مع المستخدم في الكافوري . ولم يكن للقصور في الأيام الأفضلية من الطيب راتب فيذكر ، بل كان إذا وصلت الهدية والجاوي من البلاد اليمنية تحمل برمتها إلى الإيوان فينقل منها بعد ذلك الأفضل والطيب المطلق للخليفة من جملتها . فانفسخ هذا الحكم ، وصار المرتب من الطيب مياومة ومشاهدة على ما يأتي ذكره وهو :
--> ( 1 ) هو أبو علي الحسين بن أحمد المادراني المعروف بأبي زنتبور الدقاق وهو الذي نسميه اليوم الطحان . ( 2 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 332 .