عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

326

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

الفسطاط وغيرها فتباع وتؤكل وأهل أسفل الأرض يغتذون كثيرا بالقلقاس والجلبان ويحملون ذلك إلى مدينة الفسطاط وغيرها فتباع هناك وتؤكل ، وكثير من أهل مصر يكثرون أكل السمك طريا ومالحا ويكثرون أكل الألبان وما يعمل منها . وعند فلاحيهم نوع من الخبز يدعى « كعكا » يعمل من جريش الحنطة ويجفف وهو أكثر أكلهم السنة كلها . وبالجملة فكل قوم منهم قد ابتنت أبدانهم من أشياء بأعيانها وألفتها ونشأت عليها ، الا أن الغالب على أهل مصر الأغذية الرديئة ، ليست تغير مزاجهم ما دامت جارية على العادة وهذا أيضا مما يؤكد أمرهم في سرعة الوقوع في الأمراض « 1 » » . ولم يكن المصريون لينظروا إلى ما تخبئه الأيام لهم ، لذلك لم يعرفوا الإدخار في المواد الغذائية ، يقول المقريزي : « ومن أخلاق أهل مصر الإعراض عن النظر في العواقب . فلا تجدهم يدخرون عندهم زادا كما هي عادة سكان البلدان ، بل يتنالون أغذية كل يوم من الأسواق بكرة وعشيا « 2 » » . ولعل هذا ليس عن سوء تصرف أو سوء نظر في العواقب كما يقول المقريزي ، وإنما كان المصريون لا يدخرون لكثرة المواد الغذائية ، وتوفرها يوميا وموسميا في الأسواق بأسعار معتددة ومقبولة فلا حاجة لادخارها وتخزينها على مدار السنة ، كما يفعل أهل البلدان الأخرى . وقد رأينا سابقا أن حياة مصر كانت حياة لين ودعة واستقرار في عهد الفاطميين ، وهذا ما عبر عنه المقريزي نفسه حين وصف الحياة في مصر فقال : « وقد يكون من أسباب ذلك ودوافعه ما عرف عن أهلها حينئذ من اللهو والدعة « 3 » » . اذن لقد غرقت مصر بالثروة الوفيرة والمواد الغذائية المتوفرة في كل حين ، كما غرقت في وجه من الترف والغنى جعلها تندفع بكل ما تملك نحو هذه الحياة المترفة المتكلفة التي تقوم على التباهي والتفاخر ولا سيما في مطاعم القوم ومآكلهم . فقد كان كثير من الناس يتبارون في صنع أنواع من الحلوى يقدمونها للزائرين والأضياف كما نفعل نحن اليوم في انتقاء أصناف غريبة لتكون موضع اكرام الزائر في

--> ( 1 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 44 . ( 2 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 50 . ( 3 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 49 .