عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
325
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
ولقد كان لنهر النيل تأثير كبير على أطعمة المصريين وما ينشأ عنها من أمراض سوء الهضم وغيرها ، وذلك بسبب ما يخرج من جوفه من أسماك . أو نتيجة تأثير زيادة مياه النيل أو نقصانه على مناخ مصر من جفاف أو رطوبة قد يكون لها أثر بالغ في تزايد الأمراض لولا اعتياد المصريين على هذا التغيير المفاجئ في أول أيام الخريف وآخره . « ويصادف في أيام الخريف من النيل أسماك كثيرة جدا يولد كلها في الأبدان اخلاطا لزجة ، وكثيرا ما يستحيل إلى الصفراء إذا صادفت في البدن خلطا صفراويا من أجل ذلك يضطرب ما في الأبدان من الروح الحيواني ، وتهيّج الاخلاط ويفسد الهضم في البطون والأوعية والعروق ، ويتولد من ذلك كيموسات رديئة ، كثيرة الأخلاط بعضها مرة صفراء ، وبعضها مرة سوداء ، وبعضها بلغم لزج وبعضها خلط خام ، وبعضها مرة محترقة ، وكثير منها يتركب من هذه الأشياء فتثير الأمراض . حتى إذا انصرف النيل في آخر الخريف وانكشفت الأرض وبرد الهواء وكثرت الأسماك واحتقن البخار ، وكثر ما يرتفع به من الأرض من العفونة واستحكم عند ذلك وجود العفن تزايدت الأمراض . ولولا إلف أهل مصر لهذه الأشياء لكان ما يحدث فيهم من الأمراض أكثر من ذلك « 1 » » . ويعزي المقريزي حدوث الأمراض في مصر وتفشيها بين أهلها إلى عدة أسباب ولكنها جميعا ترتبط بالأغذية والإكثار منها ولا سيما في الأعياد فيقول : « والأغذية تحدث الأمراض الوافدة إما إذا لحقها اليرقان ، وارتفعت أسعارها واضطر الناس إلى أكلها وإما إذا أكثر الناس منها في وقت واحد كالذي يكون في الأعياد ، فيكثر فيهم التخم ويمرضون مرضا متشابها ، وإما من قبيل فساد مرعى الحيوان الذي يؤكل ، أو فساد الماء الذي يشرب « 2 » » . تنوع الأطعمة وكثرتها : لم تكن أغذية المصريين من صنف واحد ، بل كان تختلف من منطقة إلى أخرى ، « فأهل الصعيد يغتذون كثيرا بتمر النخل والحلاوة المعمولة من قصب السكر ، ويحملونها إلى
--> ( 1 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص ( 46 ) . ( 2 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 47 . ط : دار صادر بيروت .