عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

306

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

نوع ، كما جلب اليه ضروب الورد والزعفران والنيلوفر ، وكسا أجسام النخل نحاسا مذهبا حسن الصنعة ، وتفننن فيه بضروب من الزخرف والتجميل « 1 » . وقد روى الرواة أنه كان بقصره بركة من الزئبق طولها خمسون ذراعا وعرضها خمسون قد أقيمت عليها أساطين من الفضة ، شدت إليها زنانير من الحرير تحمل فراشا كان ينام عليه . « وكانت هذه البركة يرى لها في الليالي المقمرة منظر عجيب إذا تألق نور القمر بنور الزئبق « 2 » » . ومما لا شك فيه أن اهتمام خمارويه بهذا البستان كان يرافقه خروج متواصل للتنزه فيه ، حيث يكون الغناء والطرب ، والشراب والإسراف فيه ، والطعام وتنوع أصنافه وألوانه . كما كان يفعل المتوكل في خروجه إلى الأديرة والبساتين . ويروي المقريزي أيضا أنه : « كان يصنع للخليفة بمصر قصر من الورد بقرية من قرى « قليوب » كان بها جنان وورود كثيرة ، وكان الخليفة يخرج في يوم يسمى يوم « قصر الورد إلى تلك القرية متنزها « 3 » » . ولا بد للناس في هذا اليوم من أن ينساقوا إلى اللهو والقصف وشرب الخمر والترف المفرط في أصناف الطعام والتفنن في إعداده وتزيين موائده وانتقاء ما يوافق الذوق المرهف من القصاع الفاخرة للطعام والآنية والأقداح الثمينة للشراب . هذه الصور البالغة من الترف ، قد تكون من أهم الأسباب التي جعلت الشعراء يبكون الدولة الطولونية بكاء شديدا . على أن الاخشيديين لم يكونوا أقل ترفا ولهوا وانفاقا على موائدهم وأطعمتهم ، فقد كانوا ينوّعون ألوانه ويختارون منه ما لاءم طباعهم ووافق أمزجتهم . فقد ذكر ابن زولاق أن الأخشيد كان يميل إلى لون من ألوان الطعام يقال له « حمّاضية » تعمل من الحماض الذي يستخرج من الأترج ، وهو نوع من البرتقال ، ويلقى به في الحصرمية . وهو العنب الأخضر الذي لم ينضج بعد ، ثم يلقى عليها ماء الورد والأفاوية » « 4 » .

--> ( 1 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 316 . ( 2 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 317 . ( 3 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 488 . ( 4 ) المغرب في تاريخ المغرب : ابن زولاق ، ص 36 .