عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

307

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

كذلك كان كافور ينفق على مائدته وطعامه إلى درجة الإسراف والتبذير . وكانت الأطعمة تتنوع على مائدته وتكثر ، وهي نفس الأطعمة التي كانت ترى على موائد الخلفاء والأمراء في قلب العاصمة العباسية بغداد أو في الامارات الأخرى كما في الشام والأندلس وفارس وغيرها من أقاليم الدولة العربية المترامية الأطراف . روى أبو المحاسن عن كتاب « كنز الدرر وجامع الغرر » « 1 » لأبي بكر بن عبد اللّه بن أيبك المتوفي في القرن الخامس الهجري « أنه بلغ ما كان يعمل في مطبخ كافور لما قوي سلطانه ، وكثرت أمواله في كل يوم من اللحم ألفان وسبعمائة رطل ، وخمسمائة طائر دجاج ، ومائة طائر أوز ، وخمسون خروفا رميسا « 2 » ، ومائة جدي سمين ، وعشرون فرخا سمكا وخمسمائة صحن حلوى ، في كل صحن عشرون رطلا ، ومائتان وخمسون طبقا فاكهة ، وعشرة أفراد نقل ، وخمسمائة كوز فقاع كبير « 3 » ، ومائة قرابة سكر وليمون » . اذن العقلية العربية لم تتغير سواء كانت في العراق أو في مصر ، والبيئة لم تكن لتطبع أمراء مصر بطوابع خاصة تميزهم في عقليتهم أو في سلوكهم عن سلوك العباسيين والبويهين في أطعمتهم وأشربتهم . ولذا نجد الإسراف في المطعم واختيار أثمنه للبلاط الملكي ، والإفراط والإكثار فيه إلى حد غير معقول . ويظل الجدي والسمك من آيين الموائد الفخمة ، ويضاف إليه في بلاط كافور ذلك العبد الأسود المخصي كما ينعته المتنبي في قوله : من علم الأسود المخصي مكرمة * أقومه البيض أم آباؤه الصيد تظل الجداء والأسماك من خصائص الموائد العامرة ، ويضاف إليها الخراف الرميسة عدا الأعداد الكبيرة من أنواع الطيور المختلفة ومنها الحمام . ولا زلنا حتى الآن نجد ولع المصريين في اتخاذ الحمام على اختلاف طرق صنعه وطبخه لونا أساسيا من ألوان أطعمتهم لا سيما في الدعوات والحفلات . ولعل هذا أثر من مظاهر الترف في ذلك العصر .

--> ( 1 ) فهرست التاريخ بدار الكتب المصرية رقم 2578 ، ومجلة المشرق المجلد 1 سنة 1941 م . ( 2 ) الرميس : من رمس ، ورمس الخروف غطاه ودفنه وهي بمعنى ( الخروف المكتف ) في لغة هذا العصر . ( 3 ) الفقاع : هو شراب يتخذ من الشعير ، سمي بذلك لما يرتفع في رأسه ويعلوه من الزبد .