عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

305

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

على كل قدر أو قصعة لكل مسكين أربعة أرغفة ، في اثنين منها فالوذج والاثنان الآخران على القدر . وكانت تعمل في داره ، وينادى : من أحب أن يحضر دار الأمير فليحضر . وتفتح الأبواب ويدخل الناس الميدان ، وابن طولون ينظر الناس في المجلس الذي تقدم ذكره ويتأمل فرحهم بما يأكلون ويحملون ، فيسره ذلك ويحمد اللّه على نعمته « 1 » » . كذلك كان خمارويه بن أحمد بن طولون كريما حذا حذو أبيه في الجود والانفاق وبذل الطعام لأبناء الشعب . فبلغت نفقات مطبخه الذي عرف باسم « مطبخ العامة » ثلاثة وعشرين ألف دينار في كل شهر . وتنوعت الأطعمة في عصره ، وكثرت النفقات عليها حتى أصبحت هذه الأطعمة في متناول العامة من أبناء الشعب ، يحدثنا المقريزي في كلامه عن دار الحرم التي بناها خمارويه لنساء أبيه « أنه عين لهذه الدار الخدم والطهاة وأدر عليهن الأرزاق والأطعمة التي بلغت من كثرتها ووفرتها أن الطهاة والخدم كانوا يعطون ما بقي منها للعامة . ومن ألوان الأطعمة الدجاج ولحوم الجدي والضأن والفالوذج واللوزينج والقطائف والهرائس من العصيدة التي كانت تعرف باسم المأمونية . وبلغ من وفره هذه الأطعمة أنها أصبحت في متناول العامة ، حتى كانت القطعة من الدجاج أو لحوم الضأن أو الجدي أو الحلوى الكبيرة تباع بدرهم واحد أو بدرهمين . بحيث أن الرجل إذا طرقه ضيف خرج من فوره إلى باب الحرم فيجد ما يشتريه ليتجمل به لضيفه ، مما لا يقدر على عمل مثله ولا يتهيأ له من اللحوم والفراخ والدجاج والحلوى مثل ذلك « 2 » » . كما كان ابن طولون كثير الانفاق على شعبه كان أيضا كثير الانفاق على لذاته ومجالس أنسه ، فقد كانت لديه نزعة إلى الغناء « 3 » كما كانت لديه نزعة إلى الترف فاهتم ببناء القصور والبساتين ، وقالوا إنه كان ينفق على طعامه كل يوم ألف دينار « 4 » وكان ابنه خمارويه يحب الشراب ويسرف « 5 » فيه ، ويظهر أنه كان مولعا بالترف ، فقد اهتم اهتماما واسعا بالبستان الذي غرسه أبوه ، وجلب اليه ضروب الرياحين والأشجار من كل

--> ( 1 ) الخطط للمقريزي : ج 1 - ص 316 ، ط . بولاق . ( 2 ) خطط المقريزي : ج 1 - ص 318 . ( 3 ) سيرة ابن طولون لابن الداية : ص 49 ط : برلين . ( 4 ) النجوم الزاهرة : ج 3 - ص 8 . ( 5 ) نشوار المحاضر للتنوخي ص : 261 .