عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

304

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

مع ضرب الأجراس وأجبر على المناداة بذنبه . حتى حوانيت الصاغة والصرافين كان يتركها أصحابها مفتوحة ليلا . وكان في الفسطاط القديمة سبع جوامع ، وفي القاهرة ثمانية « 1 » » هذا الأمن والرخاء جعل ناصرخسرو يقول بشيء من الحماسة : « لم أستطع حصر ثروتها ولا قدرها ، ولم يسبق لي رؤية تلك النعمة في بلد آخر « 2 » » لقد عاشت مصر عصورها الذهبية في العصر الفاطمي ، « وكأنما قد طلعت الشمس من مغربها . كما يقول المعز نفسه أول خلفائهم بمصر في كتاب له « 3 » » . وقد كانت مصر في عهد نواب الخلفاء لم تجرؤ على محاكاة مدينة بغداد حفظا لهيبة الخلافة وتواضعا أمام عظمتها . يقول القلقشندي : « لم يكن لديوان الإنشاء بالديار المصرية في مدة نواب الخلفاء صرف عناية تقاصرا عن التشبه بديوان الخلافة ، إذ كانت الخلافة في غاية العز ورفعة السلطان ، ونيابة مصر بل سائر النيابات متصاعزة متضائلة بالنسبة إلى ما يصدر من أبواب الخلافة من الولايات . فلذلك لم يقع مما كتب منها ما تتوفر الدواعي على نقله ، وتنصرف الهمم إلى تدوينه مع تطاول الأيام وتوالي الليالي . . . . . ولما أخذ أحمد بن طولون في تدبير الملك وإقامة شعائر السلطنة بالديار المصرية ، وشمخ بها سلطانه ، وارتفع بها شأنه اخذ في ترتيب ديوان الانشاء « 4 » » . نستنتج من هذا القول أن مصر بدأت نهضتها واستقلت شخصيتها واتضحت وضوحا تاما منذ أسسها أحمد بن طولون . وقد كان ابن طولون حاكما ديّنا عادلا وأميرا حازما ، اهتم بشؤون بلاده وعمل على ارضاء شعبه ، فأحبه الشعب المصري ومشى في ركابه . كذلك كان ابن طولون كريما سخيا ، بل كان مضرب المثل في الكرم والجود ، كما يصفه لنا المقريزي فيقول « وكانت صدقاته على أهل المسكنة والستر ، وعلى الضعفاء والفقراء وأهل التجمل متواترة . وكان راتبه لذلك في كل شهر ألفي دينار ، سوى ما يطرأ عليه من النذور وصدقات الشكر على تجديد النعم ، وسوى مطابخه التي أقيمت في كل يوم للصدقات في داره وغيرها . يذبح فيها البقر والكباش ، ويغرف للناس في القدور الفخار ، والقصاع

--> ( 1 ) خطط المقريزي : ج 2 - ص 264 ، ياقوت : ج 3 - ص 901 . ( 2 ) سفرنامه : ص 53 . ( 3 ) الاتعاظ للمقريزي : ص 141 ط : بونتز . ( 4 ) صبح الأعشى للقلقشندي : ج 11 - ص 28 ، ط . دار الكتب .