عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
259
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
واحدة خرجتا وبحكمة طبختا . ثم ذاق قدر ابن عمر وقال : هذه قدر طباخ ابن طباخ أجاد ما أحكمه . ثم ذاق قدر يحيى بن أكثم فأعرض بوجهه وقال : شه هذه واللّه جعل طباخها فيها مكان بصلها . . . . فضحك القوم . ووصله المأمون بأربعة آلاف دينار « 1 » ، وقسط له على أصحاب القدور . وقال : إياك أن تعود إلى الخروج في مثل هذا الوقت مرة أخرى . فقال : لا أعدمكم اللّه الطبيخ ولا أعدمني الخروج « 2 » » . وجرى المعتصم على سنن أخيه المأمون في العناية بهذا الفن والمنادمة عليه والتحكم فيه . وهذا ما أشار اليه المسعودي أيضا فقال : « وذكر أن المعتصم كان بالجوسق « 3 » يوما مع ندمائه وقد عزم على الاصطباح . وأمر كل واحد منهم أن يطبخ قدرا . . . . ودخل أبو عبد اللّه بن داود فما هو الا أن سلم وجلس وتكلم حتى أسفر وجه المعتصم وضحكت اليه جوارحه ، ثم قال له : يا أبا عبد اللّه قد طبخ كل واحد من هؤلاء قدرا وقد جعلناك حكما في طبخها . قال : فلتحضر ، ثم آكل ثم أحكم حكم علم . فحملت اليه القدور ووضعت بين يديه فجعل يأكل من أول قدر أكلا تاما . فقال له المعتصم : هذا ظلم . قال : وكيف ذلك ؟ قال : لأني أراك قد أمعنت في هذا اللون وستحكم لصاحبه . قال : يا أمير المؤمنين . عليّ أن آكل من هذه القدور كلها كما أكلت من هذا القدر . فتبسّم له المعتصم وقال له : شأنك اذن . فأكل كما قال . ثم قال : أما هذه فقد أحسن طابخها إذ أكثر فلفلها وأقلّ كمّونها . وأما هذه فقد أجاد طابخها إذ أكثر خلّها وأقلّ زيتها . وأما هذه طيّبها طابخها باعتدال توابلها ، وأما هذه فقد حذق من عملها بقلّة مائها وكثرة مرثها ، حتى وصف القدور بصفات سر أهلها بها ، ثم أكل مع القوم كما أكلوا أنظف أكل وأحسنه « 4 » » . وكان قبل المأمون والمعتصم عمهما إبراهيم بن المهدي عارفا بقواعد الطبخ ، وله فيه مؤلف خاص كما رأينا وقد نسخ كثيرا من الوصفات التي وردت في كتاب ابن سيار .
--> ( 1 ) يصعب التصديق أن المأمون أسرف هذا الاسراف في مكافأة عامي على حكمه في الطبيخ ، والأرجح أن يكون الأصل « أربعة آلاف درهم » وكثيرا ما ترد الدنانير في الحكايات والأعطية موضع الدراهم حبا في التعظيم والإطناب . وان صحت الرواية فهذا دليل اهتمامهم بالطبخ على أنه فن وصناعة وذوق رفيع . ( 2 ) مروج الذهب للمسعودي : ج 9 - ص 18 - 19 . ( 3 ) الجوسق : اسم أحد قصور المعتصم في سامراء . ( 4 ) مروج الذهب : ج 9 - ص 177 - 188 .