عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

260

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

ولما نافس المأمون على الخلافة وطلب ليمثل بين يديه لمحاكمته اختفى في بيت أسود حجام ، وحكى إبراهيم بعد العفو عنه خبر اختفائه فقال : « خرج الأسود ومعه طبق عليه جميع ما يحتاج اليه من خبز ولحم وقدر جديدة وآلتها ، وجرة نظيفة وكيزان « 1 » نظاف كل ذلك جديد . وقال لي : جعلني اللّه فداك إني حجام وإني أعلم أنك تتقذر مما أتولاه ، فشأنك بما لم تقع عليه يدي . وكانت بي حاجة شديدة إلى الطعام . فقمت فطبخت لنفسي قدرا لا أذكر أني أكلت أطيب منها « 2 » » . وقد عني الوزراء إلى جانب الخلفاء بفن الطبخ ، فكان البرامكة يلمّون بهذا الفن ولا يجهلونه . ولما حبس يحيى والفضل كتب الموكل بهما إلى الرشيد : اني سمعتهما يضحكان ضحكا مفرطا جدا . فوجّه الرشيد يستعلم ذلك فقال : « اشتهينا سكباجا فاحتلنا في شراء اللحم ثم احتلنا في القدر والخل ، حتى إذا وصل جميع ذلك الينا وفرغنا من طبخها وأحكمناها ذهب الفضل لينزلها فسقط ، فوقع علينا الضحك « 3 » » . من هذه الروايات وأمثالها ، رغم ما دخلها من تزويق السمار ومبالغات الرواة يتبين لنا جليا أن فن الطبخ قد بلغ أوجه في أيام العباسيين ، وقد عرف حق المعرفة من قبل الخاصة والعامة ، وساد وانتشر في القصور والدور والبيوت والأسواق ، تحكّم فيه الوزراء وعابر والطريق لاقبال الناس جميعا على طيب المآكل والمشارب ، ولذلك كثر عدد المترفين والشرهين كما رأينا ، كأشباه ابن دهقانة القائل : « قد أكلت حتى زمنت وأريد أن آكل حتى أموت « 4 » » . وكان الخلفاء العباسيون يجزلون المكافأة لمن جوّد الطبخ وأحسن مذاقه تشجيعا واستحسانا وذوقا ومتعة . من ذلك ما رواه المسعودي وقد نقله عن الفتح بن خاقان قال : « بصر المتوكل بسفينة مشدودة بالقرب من شاطئ الخليج وملّاح بين يديه قدر كبير يطبخ فيها سكباجا من لحم بقر وقد فاحت روائحها . فقال : يا فتح رائحة قدر سكباج

--> ( 1 ) كيزان : ج الكوز : إناء كالإبريق لكنه أصغر منه ( آرامية ) وتجمع أيضا على أكواز وكوزة . ( 2 ) مروج الذهب : ج 9 - ص 37 - 38 . ( 3 ) كتاب الوزراء والكتاب للجهشياري : ص 309 . ( 4 ) كتاب الديارات للشابشتي نسخة برلين ص 90 وانظر طبعة بغداد سنة 1951 م .