عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

242

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

أفئدتهم حسرات على ما تحظى به الطبقة الغنية من أسباب النعيم والسعة في الرزق . كل هذا جعل هؤلاء الزاهدين يسخطون سخطا شديدا على ما يرونه من جموح الأهواء . والامعان في المجون والانحلال والفساد الأخلاقي الذي انجرفت فيه الطبقة المترفة . على أنه يجب أن لا يتبادر إلى أذهاننا أن العصر العباسي كان عصرا منحلا ملحدا بكافة فئاته ، بل كان مجتمعا إسلاميا ، وكانت الطبقة العامة فيه حسنة الاسلام تتمسك بفرائضه وسننه وشعائره ، لذلك كانت بغداد وسامراء تكتظ بالمساجد والحلقات والوعاظ والمتصوفين إلى جانب امتلائها بالحانات ودور النخاسة والبساتين والأديرة . كذلك يجدر الإشارة هنا إلى أمر فطن اليه ابن خلدون « 1 » وهو وضع الأخبار الكاذبة في الملّاذ « 2 » تقربا إلى الكبراء ، فكانوا يبالغون في أخبار الملاهي ليغروهم عليها وليكسبوا هم من وراء ذلك مالا أو جاها . وقد رأينا أكثر من مرة كيف أن أموال الدولة لم تكن موزعة توزيعا متقاربا ، كما أن الفروق بين الطبقات لم تكن فروقا طفيفة . بل كانت هوات سحيقة تفصل بين طبقة الخلفاء والأمراء ورؤساء الأجناد وعمال الدولة وبين عامة الشعب وما تتخبط فيه من فقر مدقع وبؤس وشقاء . ازدهار فن الطباخة وصنعتها في العصر العباسي : هذه الحالة الاجتماعية التي وقفنا عندها كان لها نتائج هامة في حياة المجتمع العباسي . ذلك أن غزارة الأموال في يد الخلفاء والولاة ومن يليهم ، وقلة الأموال في يد سواهم جعل فن الطبخ لا يزدهر الا في قصورهم ومطابخهم ، ولا تتعدد أصنافه وتتنوع وتزدهر ألوانه الا على يدي طباخ ماهر . يكثر لهم من هذه الألوان فيتخمون في حين بقية أبناء الشعب يعانون الجوع ويبيتون على الطوى والحرمان . ولذلك تسابق هؤلاء في انتقاء أحسن الطهاة وامتدحوهم في أشعارهم في حين هجوا الطباخ الفاشل وجرّحوه . فمن قصيدة للشاعر سعيد بن هاشم الخالدي في وصف غلام له كان خازنا لأمواله

--> ( 1 ) انظر ضحى الاسلام : ج 1 - ص 128 . ( 2 ) الملاذ : ج لذة وتجمع على لذات كما هو معروف .