عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

223

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

الجام بألف درهم « 1 » . وقس عليه تفننهم في اصطناع الفالوذج بدهن الفستق والمخ المعقود بالسكر والطبرزد والعسل وغير ذلك من أصناف الأطعمة التي سنراها في مخطوطنا المحقق لابن العديم . وقد روى المسعودي أن إبراهيم بن المهدي قال : « استزرت الرشيد بالرقة فزارني وكان يأكل الطعام الحار . فلما وضعت البوارد ، ورأى فيما قرب اليه منها جام قريض سمك . فاستصغر القطع وقال : لم صغر طباخك تقطيع السمك ؟ فقلت يا أمير المؤمنين هذه ألسنة السمك قال : فيشبه أن يكون في هذا الجام مائة لسان . فقال مراقب خادمه : يا أمير المؤمنين ! فيها أكثر من مائة وخمسين . فاستحلفه عن مبلغ ثمنه . فأخبره أنه بأكثر من ألف درهم . فرفع الرشيد يده وحلف أن لا يطعم شيئا دون أن تحضره مراقب ألف درهم ، فلما حضر المال أمر أن يتصدق به . وقال : أرجو أن يكون كفّارة لسرفك في انفاقك على جام سمك ألف درهم « 2 » » . هاتان الروايتان وان كان فيهما بعض المبالغة الا أنها دليل واضح على بذخ الطبقة الحاكمة واسراف الخلفاء والوزراء وتفننهم في الطعام والشراب والانفاق في ذلك بسخاء . وكأن إبراهيم بن المهدي لم تعجبه أطعمة العصر جميعا فأراد أن يبتكر طعاما لم يؤكل بعد على مائدة خليفة أو أمير ، فلجأ إلى ألسنة السمك على صغرها وغلاء سعرها ليصنع منها هذا اللون . أليس هذا في منتهى الترف والانفاق والتفنن ! . لقد بلغت نفقة المأمون في اليوم ستة آلاف دينار ، كان ينفق منها مبلغا كبيرا على مطابخه . بينما كان ينفق وزيره ابن أبي خالد على طعامه يوميا ألف درهم « 3 » . وهو نفس المبلغ الذي ينفقه إبراهيم الموصلي يوميا على طعامه وطيبه « 4 » . ومما يدل على هذا الانفاق وبالتالي على كثرة أفانين الطهاة في الأطعمة ما يروى أيضا من أن مائدة المأمون ضمت ذات يوم ثلاثمائة لون « 5 » . وقد دهش الأصمعي

--> ( 1 ) مروج الذهب للمسعودي : ج 2 - ص 199 . ( 2 ) المصدر نفسه ج 2 ، ص 279 - 280 . ( 3 ) ابن طيفور : ص 123 . ( 4 ) أغاني طبعة دار الكتب : ج 5 - ص 164 . ( 5 ) ابن طيفور : ص 36 .