عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
224
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
لكثرة ما رآه على مائدة الفضل بن يحيى البرمكي من ألوان الطعام ، وما غسلوا به أيديهم بعد الأكل من ألوان الطيب والغالية والعنبر « 1 » . كذلك كان أبو جعفر المنصور يكثر من الطعام ولا يعمل بنصح الأطباء حتى كان ذلك من أسباب ضعف صحته ووفاته . وقد ذكر ياقوت « 2 » ان أبا جعفر المنصور لما زار عمه عيسى بن علي في أربعة آلاف ، قدم لهم من ألوان الطعام : الخبز ولحم الجدي والدجاج والبيض ، واللحم البارد والحلوى وغير ذلك على نحو ما نراه في ولائمنا اليوم . وكان المهدي مترفا في مأكله وملبسه يحمل اليه الثلج إلى مكة وهو يحج ، وكذلك كان الرشيد . لقد أسرف في الترف وحفلت مائدته بألوان من الطعام حتى قيل أن الطهاة كانوا يطهون له ثلاثين لونا في اليوم . وأنه كان ينفق على طعامه عشرة آلاف درهم في اليوم . ولما تزوج من زبيدة بنت جعفر أقيمت في قصره وليمة أنفق عليها خمسة وخمسين ألف ألف درهم . وعندما تزوج المأمون من بوران ابنة وزيره الحسن بن سهل صنعت احتفاء بهذه المناسبة ألوان من الطيب . جعلت بنادق اتخذت في عرس بوران غلافا لأوراق كتب عليها اسم قرية أو ملك جارية أو غلام أو فرس . فمن وصله شيء من ذلك ملكه . وقد نثر أبوها الحسن بن سهل نوافج المسك هذه ببيض العنبر على المدعوين . وعرفت بغداد في هذا العرس نوعا من البذخ والترف في ألوان الطعام وأفانينه . إذ ابتكر لها نوع خاص من الطعام أطلقوا عليه اسم « البورانية » نسبة إلى بوران وقد صنع خصيصا لهذه المناسبة . ويقال أن الخليفة المكتفي خلع على ابنه أبي أحمد يوم زواجه أربعمائة خلعة وأنفق على الوليمة أكثر من عشرين ألف دينار . كما يذكر أن المكتفي كانت تقدم على مائدته عشرة ألوان في كل يوم سوى صنوف الحلواء « 3 » وكان ما يقدم قبل الخليفة القاهر على مائدة الخلفاء من صنوف الطعام والحلواء يقدر بثلاثين دينارا « 4 » ويقال أن ثمن المسك الذي كان ينفق يوميا في مطبخه عشرة دنانير « 5 » ، فما بالنا بما كان ينفق على الطعام والحلواء والفاكهة . . . وكان للخليفة المكتفي ثمانون
--> ( 1 ) ابن المعتز : طبقات الشعراء : ص 214 . ( 2 ) انظر مقدمة عيسى بن علي في معجم البلدان لياقوت . ومروج الذهب للمسعودي ج 2 - ص 279 - 280 . ( 3 ) مروج الذهب للمسعودي : ج 4 - ص 191 . ( 4 ) عريب : ص 183 . ( 5 ) كتاب الوزراء للجهشياري : ص 352 .