عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
198
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
فقال أحدهما : لا واللّه إلا أن صديقا لي زارني فاشتهى عليّ رأسا فاشتريته وتغدينا به وأخذت عظامه فوضعتها على باب داري أتجمل بها عند جيراني ، فجاء هذا فأخذها وتركها على باب داره يوهمهم أنه اشتراه « 1 » » . ومن عادات الناس وتقاليدهم أنهم « كانوا يعلمون أن احضار الجدي انما هو شيء من آيين الموائد الرفيعة ، وانما جعل كالعاقبة والخاتمة ، وكالعلامة لليسر والفراغ . وانه لم يحضر للتمزيق والتخريب ، وأن أهله لو أرادوا به السوء لقدموه قبل كل شيء لتقع الحدة به « 2 » » . وان تصرف الناس وسلوكهم في مأكلهم ومشربهم لا يكون نتيجة لحياتهم الاجتماعية فقط . بل كثيرا ما يتحكم فيه الوجه الاقتصادي بالنسبة لأسعار السلع الغذائية من رخص وغلاء . ولنستمع إلى الجاحظ يقول : « والناس أشد شيء تعظيما للمأكول إذا كثر ثمنه ، أو كان قليلا في أصل منبته وموضع عنصره . هذا الجزر الصافي وهذا الباقلي الأخضر ، أطيب من كمثرى خراسان ، ومن الموّز البستاني ، ولكنهم لقصر همتهم لا يشتهون إلا على قدر الثمن ، ولا يحنّون الا على قدر القلة ، وهذه العوام في شهوات الأطعمة انما تذهب مع التقليد أو مع العادة ، أو على قدر ما يعظم عندها من شأن الطعام « 3 » . هل المجتمعات تتشابه إلى هذا الحد ؟ انها نفس الصورة التي نراها اليوم في تعظيم ما غلا ثمنه من الطعام وتحقير ونبذ ما رخص منه . ومن تقاليدهم أيضا أن كمية الطعام لها أثرها النفسي على الآكل . فكثرته تجعل الآكل ينصرف عنه ويزهد فيه وتموت شهوته اليه ، وعلى العكس من ذلك فإن قلته تدعو إلى استطرافه ولا سيما إذا قدم بطريقة مشهية نظيفة : « لأن الخبز إذا كثر على الموائد ، ورّث ذلك النفس صدودا ، وكلّ شيء من المأكول وغير المأكول ، إذا ملأ العين ، ملأ الصدر وفي ذلك موت الشهوة وتسكين الحركة ، ولو أن رجلا جلس
--> ( 1 ) عيون الأخبار : ج 3 - ص 260 . وانظر العقد الفريد لابن عبد ربه ج 3 - ص 325 . ( 2 ) البخلاء : ص 97 . ( 3 ) نفس المصدر : ص 98 - الباقلي : الفول .