عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
195
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
سخاء الأمويين : ولقد جرى الخلفاء والأمراء الأمويون على سنة العرب في الانفاق والكرم والاكرام . فكانوا ينفقون ويسرفون لا على أنفسهم فقط بل على شعبهم من العامة والخاصة . حيث يعدون السخاء عليهم فرضا يؤيدون به سلطتهم فكانوا يسترضون العامة بأبسط أساليب السخاء وهو الضيافة العربية المعروفة فكانوا ينصبون لهم الموائد ويدعونهم إلى الطعام . ويجتمع على مائدة الأمير ألوف من العامة يأكلون معا صباحا ومساء . وقد يبالغ بعضهم فينصب هذه الموائد على قارعة الطرق استرضاء للقبائل المختلفة وافراطا في السخاء . وأول من فعل ذلك عبيد اللّه بن العباس « 1 » كما اشتهر في صدر الاسلام غير واحد من الأجواد ممن كانوا يقبضون الأعطية الكبيرة من خلفاء بني أمية فينفقونها في البذل والسخاء . وجرى الدهاة من عمال الأمويين على هذه السنة ، فنصبوا الموائد على الطرق ، فكان الحجاج يضع في كل يوم من أيام رمضان ألف خوان ، وفي سائر الأيام خمسمائة خوان ، على كل خوان عشرة أنفس وعشرة ألوان وسمكة مشوية طرية وأرزة بسكر . وكان يدور بنفسه فيتفقدها . يحملونه إليها في محفة وينقلون به من خوان لآخر فإذا رأى أرزة ليس عليها سكر أمر الخباز أن يجيء بسكرها . فإذا أبطا حتى أكلت الأرزة بلا سكر أمر به فضرب مائتي سوط . وكذلك كان يفعل عمال الحجاج في سائر المدن . فكان بعضهم ينصب الموائد مرتين في اليوم للغداء والعشاء « 2 » . وكان يوسف بن عمر « 3 » عامل هشام بن عبد الملك ينصب خمسمائة خوان . وكان يزيد بن هبيرة يضع ألف خوان يطعم الناس .
--> ( 1 ) العقد الفريد : ج 1 - ص 82 عبد اللّه بن العباس : هو المسمى أبا العباس ، ابن عم النبي من رواة الحديث المشهورين ناصر عليا وحاول التوفيق بين العلويين والأمويين . ( 2 ) العقد الفريد : ج 3 - ص 6 . وابن خلكان : ج 1 - ص 82 . ( 3 ) يوسف بن عمر الثقفي : أمير من جبابرة الولاة في العهد الأموي ، ولي اليمن لهشام بن عبد الملك ثم نقله هشام إلى ولاية العراق . ودخل العراق وعاصمته يومئذ الكوفة فأقام بها . توفي سنة 127 ه . وفيات الأعيان لابن خلكان : ج 2 - ص 271 .