عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

196

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

واطعام العامة على هذه الصورة انما أخذه المسلمون من الأمم التي فتحوها ، فقد تأثروا بالروم واقتدوا بهم لأن العامة في رومية كانت تعيش من أطعمة يغدقها فيهم أهل الدولة من الدقيق واللحم . كما تأثروا في هذا الأسلوب بالفرس واقتدوا بهم كاقتدائهم بهم في كثير من آدابهم الاجتماعية . « إذ كان بعض ملوك الفرس ينصب خمسمائة مائدة ، يجعل على كل منها نصف شاة وجام حلوى أو عسل ، وعشرة أرغفة ، وآنية شراب أو لبن ، وسمكة مصنوعة « 1 » » فسار العرب على نهجهم متأثرين بهم مقلدين إياهم في هذه الدعاوة لأنفسهم وكسب قلوب الناس عن طريق اكرامهم واضافتهم ونصب موائد الطعام الفاخرة لهم . التجمل في أصناف الطعام : ويعلل ابن خلدون هذا السلوك من قبل الخلفاء والأمراء والأغنياء فيقول : « فمن قواعد العمران إذا تكاثرت الأموال في أيدي الناس أن يتوسعوا في الانفاق ويتمتعوا بمعيشتهم فيتأنقوا في الطعام والشراب والسماع وغيرها من الملذات الجسدية ويتنعموا بالألبسة الثمينة والرياش الفاخر ، ثم يطلبوا الملّذات والمجوهرات النفيسة ثم يلتمسوا سعة الشهرة فيقربوا الشعراء ورواة الأخبار في ذلك العهد كما يفعل بعض أغنياء زماننا بالتقرب من أرباب الصحافة « 2 » » . وفعلا لقد سادت الحياة الاجتماعية في العصر الأموي مظاهر الترف الكاذبة والتباهي والتفاخر في كل شيء ولا سيما في الانفاق على الطعام وفي اعداد أعظم الموائد لا تهالكا على اللذة فحسب وانما ليدعو أحدهم الناس إلى مائدته ثم يخرجوا ويصفوا ما رأوه على مائدة فلان وفلان فينسب عندئذ إلى الطبقة الأرستقراطية المترفة ، وإلى السخاء المفرط في الانفاق على طعامه وشرابه . كما يفعل كثير من الأغنياء في عصرنا هذا . لقد كان بعض الناس يجملون موائدهم في الدعوات بوضع جدي على المائدة للنظر فقط دون أن يمسه أحد المدعوين . فقد روي : « أنه كان للمغيرة بن عبد اللّه بن أبي عقيل الثقفي وهو على الكوفة جدي يوضع على مائدته بعد الطعام ، ولم يكن أحد يمسه .

--> ( 1 ) ترتيب الدول : ص 120 وانظر جرجي زيدان : ج 5 - ص 81 . ( 2 ) تاريخ التمدن الإسلامي : جرجي زيدان : ج 5 - ص 121 .