عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

117

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

يعصب بطنه فإنها تعبر أيضا عن تواضعه ( ص ) فقد كان يهيء الطعام لأصحابه ويقدمه لهم ويؤثرهم به ناسيا ما يعانيه من آلام الجوع ، ويحلب الشاة ويقدم لهم اللبن مطمئنا إلى أن الجميع قد رووا فيتذكر نفسه قائلا « ساقي القوم آخرهم شربا » ثم كرمه ( ص ) فإنه يدعو الجماعة عشرة فعشرة حتى ليبلغ عددهم السبعين ، كل هذا مما توضحه هذه الأحاديث إلى جانب ما تصوره من أطعمة العرب في عهد الرسول . لقد كان طعاما خشنا لا تنوع فيه يقتصر على الخبز المصنوع من الشعير وقد يلتّ بالسمن أو قد يصبح هذا الطعام غنيا دسما حين ذبحت أم سليم الشاة وقدمتها إلى الرسول وقد عانى ما عاناه من آلام الجوع . ومن هذا الحديث والرواية أيضا يمكن أن ندرك أن العرب في عهد الرسول عرفوا انضاج الطعام في القدور وكانت لهم الأثافي المشهورة التي توضع عليها القدر لانضاجها بعد اشعال النار تحتها وقد وصف الشعراء هذه الأثافي في أشعارهم وكيف أضحت سوداء متناثرة بعد رحيل القوم عنهم وهذا ما يطالطعنا في مقدمات قصائدهم التي وصفوا فيها الأطلال . كذلك استعملوا القدور الحجرية والآنية البسيطة لحلب اللبن ، وانضجوا الخبز في التنور واستعملوا السمن اداما عندما لا يجدون ما يأتدمون به ولا سيما في سنوات الجدب . إلى جانب ذلك فقد عرف العرب القصاع والجفان وطبخوا فيها الثريد ، وكان للنبي ( ص ) قصعة كبيرة يوضع فيها الثريد ليأكله الجماعة يقال لها الغراء « 1 » وكانت لعظمتها يحملها أربعة رجال . « فلما أضحوا يوما وسجدوا الضحى أتي بتلك القصعة وقد أثرد فيها ، فالتفوا حولها . فلما كثروا جثا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال اعرابي : ما هذه الجلسة ؟ فقال الرسول : ان اللّه جعلني عبدا كريما ولم يجعلني جبارا عنيدا . ثم قال : كلوا من جوانبها ودعوا ذروتها يبارك لكم فيها « 2 » » . في هذه السيرة العظيمة وفي هذا الحديث بالذات « شاهد آخر على تواضعه صلى اللّه عليه وسلم ، وتعبير عن جوده وكرمه ورفيع أخلاقه » . مؤاكلة النبي ( ص ) للمسلمين : وكان رسول اللّه ( ص ) يزور الضعفاء ويلاحظهم ويؤانسهم ويجلس معهم ويشاركهم

--> ( 1 ) سميت غراء لبياضها بالالية والشحم . ( 2 ) الحديث في سنن أبي داود وابن ماجة عن عبد اللّه بن يسر رضي اللّه عنه .