عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
118
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
طعامهم وفي هذا تكريم لهم وتبريك واحسان إليهم ليشعروا بعزتهم وكرامتهم وسعادتهم . فكان إذا زار خاصة أتى الرجل في منزله فطعم عنده ، وكان إذا قدّم له بعض صحابه طعاما متأنقا فيه لا يرفضه ليدخل السرور عليهم وليعلمهم أن لا بأس بالتلذذ في الأطعمة والتخصص بها . وإذا زار عامة أتى المسجد « 1 » . وقد زار الرسول ( ص ) أهل بيت من الأنصار فطعم عندهم طعاما . فلما خرج أمر بمكان من البيت فنضح له على بساط فصلى عليه ودعا لهم . وإنما فعل ذلك ليتبركوا بصلاته . وبموضع هذه الصلاة وليتخذوا من المكان الذي صلى فيه ( ص ) مسجدا . كذلك عرف الرسول ( ص ) بأمانته وتقشفه فكان لا يملك من الطعام في بيته الا القليل أو قد لا يجد ما يقدمه أحيانا طعاما للزائرين . من ذلك ما رواه أبو رافع مولى رسول اللّه ( ص ) : « أنه نزل به ( ص ) ضيف . فقال : قل لفلان اليهودي نزل بي ضيف فأسلفني شيئا من الدقيق إلى رجب » . فقال اليهودي : « واللّه ما أسلفته الا برهن » . فأخبرته فقال : « واللّه اني لأمين في السماء أمين في الأرض ، ولو أسلفني لأديته ، فاذهب بدرعي وارهنه عنده « 2 » . وكثيرا ما كان بيت الرسول موضع زيارة للقوم في مناسبة أو غير مناسبة فقد يأتيه القوم ويأكلون ويطلبون الجلوس بعد الأكل ، وكثيرا ما كان حياء الرسول ( ص ) يمنعه من أن يطلب منهم الانصراف ، حتى نزلت الآية في ذلك . وقد جاء في صحيح البخاري عن أنس رضي اللّه عنه قال : كان رسول اللّه ( ص ) عروسا بزينب فقالت لي أم سليم : « لو أهدينا إلى رسول اللّه ( ص ) هدية . قال أنس : فقلت لها : افعلي فعمدت إلى تمر وسمن وأقط ، فاتخذت حيسة في برمة فأرسلت بها معي ، فانطلقت بها اليه . فقال : « ضعها » . ثم أمرني فقال لي : « ادع رجالا - سماهم - وادع لي من لقيت » . ففعلت الذي أمرني . فرجعت فإذا البيت غاص بأهله . ورأيت رسول اللّه ( ص ) وضع يده في تلك الحيسة وتكلم بما شاء اللّه ، ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون منه ويقول لهم : « اذكروا اسم اللّه ، وليأكل كل رجل مما يليه » . حتى تصدّعوا كلهم . وفي رواية مسلم : « قيل لأنس : كم كان عددهم ؟ » قال : « زهاء ثلاثمائة » فخرج من خرج وبقي نفر يتحدثون . وكان النبي ( ص ) شديد الحياء فاستحيا أن يقول انصرفوا - ثم خرج نحو الحجرات وخرجت في
--> ( 1 ) انظر شرح مسلم 15 / 4 . ( 2 ) سيرة أعلام النبلاء للذهبي ج 1 - ص 80 وما بعدها ط . دار المعارف .