عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

114

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

ومما يدل أيضا على بركته ( ص ) ما جاء في صحيح مسلم وغيره عن جابر رضي اللّه عنه ، أن أم مالك الأنصارية كانت تهدي النبي ( ص ) من عكة لها سمنا ، فيأتيها بنوها فيسألونها الأدم - أي السمن - وليس عندهم شيء ، فتعمد إلى الظرف الذي كانت تهدي منه السمن فتجد فيه سمنا فما زال يقيم لها أدم ببيتها حتى عصرته . أي عصرت الظرف فنفذ السمن . فأتت النبي ( ص ) فقال لها : « أعصرتها ؟ » قالت نعم فقال : ( ص ) « لو تركتيها ما زال قائما » يعني السمن . وروى مسلم عن جابر رضي اللّه عنه أن رجلا من أهل البادية أتى النبي ( ص ) يستطعمه ، فأطعمه شطر وسق من شعير . فما زال يأكل منه وامرأته وضيفها حتى كاله . فأتى النبي فأخبره فقال له : « لو لم تكله لأكلتم منه وأقام لكم » . لقد جعل اللّه طعامه ( ص ) مباركا لا ينضب ما أكل منه ، وما أن يمد يده إلى لون من هذا الطعام حتى يضاعفه اللّه أيا كان نوعه . فقد حدثنا جابر رضي اللّه عنه أنهم كانوا يحفرون يوم الخندق فعرضت لهم كدية « 1 » شديدة فأخبروا رسول اللّه ( ص ) بذلك فقام الرسول وبطنه معصوب بحجر إذ لبث وأصحابه ثلاثة أيام لا يذوقون ذواقا ، فأخذ الرسول المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل « 2 » أو أهيم . ويتابع جابر حديثه فيقول : « فقلت يا رسول اللّه ائذن لي إلى البيت ، فقلت لامرأتي : رأيت بالنبي صلى اللّه عليه وسلم شيئا ما في ذلك صبرا أفعندك شيء ؟ فقالت : عندي شعير وعناق « 3 » . فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة « 4 » ، ثم جئت النبي صلى اللّه عليه وسلم والعجين قد انكسر « 5 » والبرمة بين الأثافي « 6 » قد كانت تنضج . فقلت : طعيم لي ، فقم أنت يا رسول اللّه ورجل أو رجلان . قال : كم هو ؟ فذكرت له . فقال : « كثير طيّب قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي » . فقال : قوموا . فقام المهاجرون والأنصار فدخلت

--> ( 1 ) كدية : الصفاة العظيمة الشديدة أو القطعة الصلبة من الأرض لا يعمل فيها الفأس . ( 2 ) الكثيب : أصله تل الرمل والمراد هنا صارت ترابا ناعما وهو معنى أهيل . ( 3 ) العناق : بفتح العين المهملة وتخفيف النون : الأنثى من المعز . ( 4 ) البرمة : ج برم : القدر من الحجر . ( 5 ) الأثافي : الأحجار التي يكون عليها القدر . ( 6 ) انكسر : لان ورطب وتمكن منه الخبز .