عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
111
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
القديد « 1 » » . وروي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت : « ما شبع عليه الصلاة والسلام ثلاثة أيام تباعا من خبز حتى مضى لسبيله » . وكانوا إذا أكلوا لا يملؤون بطونهم لأن الانسان في رأيهم لم يخلق ليأكل وانما خلق ليعيش ويؤدي واجبات أسمى من أن ينصرف إلى ملاذ الحياة ومتعها . وقد قال الرسول ص : « نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع » . كما قال ص : « ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه ، حسب ابن آدم بعض لقيمات يقمن صلبه » . لذلك انصرف الرسول والصحابة معه عن التصنيع في المأكل والمشرب ، كما تجافوا عن أكل اللحوم ، فقد قال ( ص ) « اني لأكره البيت اللاحم » . وقد قصد بهذا الحديث القوم الذين يكثرون من أكل اللحوم وربما قصد أيضا البيت الذي يرد فيه ذكر الناس فيأكل بعضهم لحم أخيه بالنميمة والغيبة . وقد عرف الصحابة أضرار اللحوم ، واعتبروا الاعتياد عليها والاكثار منها نوعا من الادمان على نحو ما يعتقده النباتيون اليوم . رأينا أن عمر بن الخطاب كان يقول « مدمن اللحم كمدمن الخمر » . كما أن أبا موسى الأشعري تجافى أكل لحم الدجاج لأن العرب لم يعهدوا ذلك من قبل . ولم يكن الخلفاء الراشدون أقل تقشفا من رسول اللّه وصحابته . بل جعلوه قدوتهم وساروا على سنته ( ص ) في منهج حياتهم سواء في العبادة أو في أمور الدنيا ولا سيما فيما يتعلق بلذاتها وأفانينها . لقد زهدوا في الدنيا وباعوا دنياهم كسبا للآخرة . وزانهم العقل والشجاعة ، فضربوا في خباب الأرض ليحققوا نصرا شامخا على دولتي الروم والفرس يصرعون حضارتهم ويدوسون عروشهم وينشرون دين اللّه ويجعلون كلمته هي العليا . وقد بين صاحب الفخري مبلغ زهد الخلفاء الراشدين وتقشفهم واصفا دولتهم في قولهم : « اعلم أنها دولة لم تكن من طرز دول الدنيا ، وهي بالأمور النبوية والأحوال الأخروية أشبه . . . . والحق في هذا أنّ زيها قد كان زي الأنبياء ، وهديها هدي الأولياء ، وفتوحها فتوح الملوك الكبار ، فأما زيها فهو الخشونة في العيش ، والتقلل في المطعم والملبس ،
--> ( 1 ) بنت الشاطئ - أم النبي : ص 5 - طبعة القاهرة سنة 1958 .