عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )

112

الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب

كان أحدهم يمشي في الأسواق راجلا وعليه القميص الخلق المرقوع إلى نصف ساقه ، وفي رجله تاسومة وفي يده درة فمن وجد عليه حد استوفاه منه . وكان طعامهم من أدنى أطعمة فقرائهم ، ضرب أمير المؤمنين علي عليه السلام المثل بالعسل والخبز النقي فقال في بعض كلامه : « ولو شئت لاهتديت إلى مصفّى العسل بلباب هذا البر » . واعلم أنهم لم يتقللوا في أطعمتهم وملبوسهم فقرا ولا عجزا عن أفضل لباس وأشهى مطعم ولكنهم كانوا يفعلون ذلك مواساة لفقراء رعيتهم وكسرا للنفس عن شهواتها ورياضة لها لتعتاد أفضل حالاتها ، وإلا كلّ واحد منهم كان صاحب ثروة ضخمة ونخل وحدائق وغير ذلك من الأسباب . ولكن أكثر خرجهم كان في وجوه البر والقرب « 1 » » . وعلى هذه الشاكلة عملوا بهدي القرآن وساروا على نهج الرسول الكريم متبعين في ذلك ضربا من العدالة الاجتماعية في محيط هذه الأمة الجديدة . فكان الغنيّ يردّ بعض ماله على الفقير وعلى الصالح العام للأمة لأنه لا يعيش لنفسه وحدها ، بل عليه أن يترابط مع أمته ترابطا اجتماعيا واقتصاديا . لذلك اندفع كثير من الصحابة ينفقون أموالهم جميعها في سبيل اللّه ضاربين عرض الحائط بلذاتهم ومطاليبهم الدنيوية . ويؤثر عن الرسول ( ص ) أنه قال : « ما نفعني مال مثل ما نفعني مال أبي بكر » فقد نذر أبو بكر ماله لنصرة الدعوة المحمدية وإعلاء كلمة اللّه . كما اقتدى غيره من أغنياء الصحابة به ، فقد جهز عثمان جيش العسرة في غزوة تبوك بتسعمائة وخمسين بعيرا ، وأتم الألف فرسا « 2 » . وكثر مال عبد الرحمن بن عوف حتى قدم عليه في احدى تجاراته سبعمائة راحلة تحمل القمح والدقيق والطعام ، فجعلها جميعها في سبيل اللّه « 3 » . لقد جبلت أنفسهم على القناعة والسخاء ، فكانوا يكتفون من عيشهم بالزهيد ويجودون بأموالهم الوفيرة لنصرة الدين والانفاق على المجاهدين لئلا يشغلوا بأمور الدنيا وإرضاء شهوات النفس عن الجهاد في سبيل اللّه . وقد شهد علماء الغرب بما اتصف به النبي الكريم من نبل وصفاء مما جعله يقنع من معيشته بالقليل الزهيد . ويقول فريثوف شليون ( Frithof Schlion ) المتخصص بشرح

--> ( 1 ) الفخري في الآداب السلطانية ص 70 - 71 . ( 2 ) الاستيعاب : لابن عبد البر : ص 488 : الطبعة الأولى . ( 3 ) سير أعلام النبلاء : للذهبي ( ج 1 ، ص 50 ) ، طبع دار المعارف .