عمر بن أحمد العقيلي الحلبي ( ابن العديم )
110
الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب
بالفتوحات ونشر الدين الاسلامي مما لم يدع لهم مجالا لتطوير أساليب حياتهم ، كما صرفهم عن التفكير في شؤون طعامهم ومشربهم وملبسهم . وقد أحل الدين الاسلامي الحنيف للعرب والمسلمين الطيبات من المآكل وأباح لهم التنعم بها عندما خاطبهم بقوله تعالى « يا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ وَاعْمَلُوا صالِحاً » « 1 » . وكذلك في قوله : « فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً » « 2 » كما قال سبحانه وتعالى : « كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » « 3 » . وقوله « قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ » « 4 » . فالاسلام أباح لهم كثيرا من اللذات ولم يحظر عليهم أن ينالوا منها بل جعلها حلا لهم في حين حرم عليهم الاسراف فيها والانغماس بها . وقد كانوا يقولون إن ملاذ الدنيا ستة أقسام : المأكول والمشروب والملبوس والمنكوح والمشموم والمسموع . وأفضل هذه الأقسام وأهمها المأكول ، إذ كان هو قوام الأبدان ومادة الحياة ، ولا سبيل إلى استعمال غيره الا بالصحة التي هي معين عليها . وقد قال بعض الحكماء : « أربعة تجمع الحسنى وتكمل النعمى : دين قوي ، وسعي زكي ، وطعام مري ، وشراب هني » فدل على أنه لا باس بالتلذذ في الأطعمة والتخصص بها « 5 » . زهد النبي والصحابة في الطعام : ومع أن الاسلام كما رأينا لم يحظر على المسلمين التأنق في المآكل والاهتمام بها والانصراف إليها الا أن النبي ( ص ) وكثيرا من الصحابة كانوا يقلّون من الطعام لا لفقر أو شح ولكن زهدا في الدنيا ، وانصرافا عنها ، وتواضعا وبعدا عن العظمة ، وصلف الملوك . فقد روي عنه صلى اللّه عليه وسلم قوله : « وما أنا إلا ابن امرأة كانت تأكل
--> ( 1 ) الآية من سورة : « المؤمنون » - 51 مكية . ( 2 ) الآية من سورة : « النحل » - 114 مكية . ( 3 ) الآية من سورة : « الطور » - 19 مكية . ( 4 ) الآية من سورة : « الانعام » - 32 مكية . ( 5 ) مقدمة البغدادي : ص 10 - محمد عبد الكريم البغدادي : كتاب الطبيخ طبعة الموصل سنة 1934 .