عبد الله بن قاسم الحريري الإشبيلي البغدادي
47
نهاية الأفكار ونزهة الأبصار
كالديدبان ، فكلما كان أعلا كان ادراكه أكثر وابعد مسافة . فان الخط البصري المار على استقامة كلما خرج من موضع أعلاه وقع من حدبة الأرض على موضع أبعد . وأيضا فان الشعبة الواردة إليها من الدماغ لدنة كما سنبين لا يمكن ان تمر مسافة طويلة لئلا تقل لدونتها فلا يمكن انعطافها ، وجعل وضع العين من قدام لأجل التناسب من جهة ان اليدين والرجلين وسائر البدن أكثرها من قدام « 44 » . ولما كان الحس بالعين أكثر ، ومحسوسها وادراكها « 45 » المبصرات من خارج ، وهي لدنة صافية فصارت بمعرض من الآفات لظهورها . فوجب ان تصان وتوقى ما أمكن ، فجعلت في جوبة « 46 » من العظم وجعل حواليها عظام صلبة وغطيت بالاجفان ، اصينت بالاهداب . وجعلتا اثنتين بحيث لو فقدت واحدة بقيت الأخرى فتقوم مقامها « 47 » فلا يفقد البصر ويكون أقوى في جهات أكثر . وجعلت الشعبتان الواردتان من الدماغ الحاملتان للروح الباصر والقوّة الباصرة مجوّفتين تخرجان من الدماغ على أقل من زاويتين قائمتين ملتقيتين من داخل القحف التقاء يفضي تجويف كل واحدة منها إلى الأخرى ، وتتصلان ، ثم تنعطف الشعبة اليمنى إلى الجهة اليمنى وتتصل بالعين اليمنى وتنعطف الشعبة اليسرى إلى الجهة اليسرى وتتصل بالعين اليسرى . فاما تجويف الشعبتين فلينفذ « 48 » فيه الروح الباصر كثيرا من غير تقطع ولا تعثر . واما كونه
--> ( 44 ) جاء في الأصل : من جهة ان اليليز والدجلين وسايل البلز التره من قدام . ( 45 ) في الأصل : ولما كانت الحاسة بالعين أكثر ومحسوبها وادرالها . ( 46 ) الجوبة : جاء في المعجم الوسيط ( هي الحفرة المستديرة الواسعة ) . وهو يقصد بها هنا مقر كرة العين . وتدعى لغويا ( الوقب ) . ( 47 ) في الأصل : فتقوم مدامها . ( 48 ) في الأصل : فاما تخويف الشعيت فليعذ منه .