عبد اللطيف البغدادي

78

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

له ما خلا حاسة اللمس فإنها سارية في الجلد بأسره ، وفي كثير من اللحم الكائن تحته ، وبالجملة في كل ما أنبت فيه عصب الحس ، وهذه الحواس على طبقات ، فأولها ما يدرك من محسوسه أعراضه القارّة « 1 » فيه والمتصلة به وذلك عند مباشرته له « 2 » كحاسة اللمس في إدراك الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والخفة والثقل واللين والصلابة والملامسة والخشونة ونحو ذلك ، وهذه الحاسة عامة للحيوان ومقدّمة على سائر الحواس « 3 » وهي أثبت معرفة وأقوى

--> - المدركة ) ، ويتبع هذا أن كل صنف من الإدراك هو حاسة وأن قوله إن كل حاسة تختص بصنف واحد من المدركات هو تعريف الماء بالماء . أما إذا قال إن كل عضو حاس يختص بصنف من المدركات وإنه لا يشترك اثنان من الأعضاء في حاسة واحدة فان هذا جائز منطقيا وإن كان مخطئا موضوعيا لأن بعض الأعضاء يدرك أكثر من حاسة ، كاللسان الذي يدرك الذوق واللمس والألم ، وكحاسة اللمس التي تعم الجلد واللسان والعين والأنف كما قال البغدادي وكل الأغشية المخاطية كالقرنية والملتئمة . الخ . . . ( 1 ) الغائرة ( د ) . ( 2 ) قال أرسطو إن اللمس لا يتم إلا بالملامسة المباشرة وان هذه الحاسة هي الوحيدة التي تستجيب إلى المحسوس إذا وضع على العضو المدرك مباشرة ، وضرب مثالا لذلك أن الأشياء إذا وضعت على القرنية لا تبصر ( 34 ) ، غير أن الإغريق اشترطوا الاتصال ( Haphe ) لادراك كل أنواع الحس ، وهم في ذلك لم يقصدوا الاتصال المباشر إلا للجلد ، فقد قال جالينوس إن اللسان يستجيب إلى ملامسة الرطوبة الموجودة عليه ، والسمع لملامسة حركة الهواء ، والشم لملامسة مزيج من الهواء وطبائع الروائح . ( 3 ) قال أرسطو كذلك إن حاسة اللمس هي أكثر الحواس أساسية للبقاء وإن الحياة مستحيلة بدونها ( 35 ) ، هذا ويتمتع الانسان بحاسة لمس أقوى وأكثر تمييزا منها في الحيوان لنمو المراكز العصبية الخاصة باليد التي تجعل من هذا العضو آلة من أدق الآلات . وقد ميز الإغريق بين أنواع مختلفة من اللمس ولم يربطوها بأعضاء أو بأعصاب مختلفة ، والسبب في هذا أن جالينوس كان يقطع الأعصاب كاملة في تجاربه ولم يكن له إلى التجربة -