عبد اللطيف البغدادي

71

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

أقدس جزء من جسم الإنسان « 1 » ، وبما أنه لا يصح أن يتدحرج على الأرض ، ولا يقوى على تسلق الأشجار أو التغلب على المنخفضات ، فقد اكتسب الجسم طولا ، ونبع منه أربعة أطراف ، وجعل الوجه إلى الأمام ، وخلقت فيه عينان تحملان الضوء وتنبثق منهما نار ( 31 ) . وقال جالينوس بعده بخمسة قرون ( 32 ) : « إننا ، إذا حصرنا أجزاء الإنسان غير الموجودة في صدور الحيوانات العديمة الرأس ، فإنه يحق لنا الاستنتاج بأن هذه الأجزاء هي التي خلق الرأس من أجلها . . . أما عند السرطان « 2 » والحيوانات غير ذوات الرؤوس ، فإن العين وضعت على ساق طويلة لأنها - على خلاف الفم والأنف والأذنين - لا يصح وضعها إلى أسفل ، إذ أن الحاجة تدعو إلى وجودها في مرتفع لتتطلع منه إلى إقتراب العدو ، وفي الإنسان يجب أن تكون العين رخوة ، فإذا وجدت على الساق تعرضت إلى خطر ، ثم إن وضعها إلى أسفل يعدم فائدتها ، ولهذا السبب فقد ابتكرت الطبيعة عضوا خاصا ليحملها ، مرتفع المكان وقادرا على حمايتها ( هو الرأس ) . وبما أن الحواس تحتاج إلى أعصاب رخوة فإنه لا يصح إبعاد هذه الأعصاب عن الدماغ ، لسهولة سحقها أو قطعها إذا طالت ، ولذا وجب اقتراب أدوات الحس من الدماغ ، وبما أن الدماغ موجود في الرأس ليكون قريبا من العين ، فقد وجب كذلك وجود سائر أدوات الحس في الرأس بسبب وجود الدماغ فيه . . . » . وقد أبدع ابن سينا في التعبير المختصر عن هذا الرأي إذ أعاد هذه التصريحات في الفصل الأول من المقالة الأولى من الفن الأول من الكتاب الثالث من القانون ، قال : « قال جالينوس إن الغرض من خلقة الرأس ليس هو الدماغ ولا السمع ولا الشم ولا الذوق ولا اللمس فإن هذه الأعضاء والقوى موجودة

--> ( 1 ) الشكل المدور عند أفلاطون هو الشكل الكامل . ( 2 ) السرطان هو ( أبو جلمبو ) أو ( السلطعين ) أو ( الجبجب ) .