عبد اللطيف البغدادي

72

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

في الحيوان العديم الرأس ، ولكن الغرض منه حسن حال العين في تصرفها الذي خلقت له وليكون للعين مطلع ومشرف على الأعضاء كلها في الجهات جميعا فإن قياس العين إلى البدن قريب من قياس الطليعة إلى العسكر وأحسن المواضع للطلائع وآصلها هو الموضع المشرف » . ومن جهة أخرى فإن القدامى لم يفصلوا بين فيزياء الضوء والصوت وغير هذه من الأحداث التي تنبه الحواس ، وبين إدراك الحواس لها ، بل قصدوا بال ( فيزياء ) تفسير كيفية إدراك الذهن للعالم الخارجي ، وهذه العملية هي عملية فكرية ، بينما نحن نقصد اليوم من ممارسة الفيزياء معرفة قوانين الكون وتركيبه معرفة مطلقة ، دون مراعاة انطباعات المشاهد له . ولم يكن مردّ إهمال الفصل بين الفيزياء وعلم النفس إلى خطأ منطقىّ ، وإنما كان مرجعه إلى نظرية حيوية قامت عليها فلسفة أفلاطون وأتباعه . ولذا فقد جاءت نظرية الحس وبخاصة في جزئها الذي تناول الإبصار ، في غاية التعقيد ، لأنها مزجت بين ثلاثة علوم ، نميّز اليوم تمييزا جذريا بين بعضها وبعض ، هي الفيزياء ، والفسيولوجيا ( وظائف الأعضاء ) ، والفلسفة ، وكان للفلسفة فيها حصة السبع . نرى أفلاطون لا يهتم بتشريح العين ولا يقيم لعلم الإبصار نظرية متكاملة متماسكة ، وإنما يكتفى بالنواحى التي ترضى انجاهه الميتافيزيقىّ ، ونرى هذا الميل يعزّزه فرض أرسطو والرواقّيّين وجالينوس تكون المادة من عنصرين : جوهر أول ( هيولى ) ، وطبائع عارضة غير مرئية ، وأخذهم بأن التغيرات التي تطرأ على المادة والتي قد نسميها فيزيائية أو كيميائية أو فسيولوجية ، إنما تأتى نتيجة لتغيرات في نسب هذه الطبائع بالاستبدال أو الزيادة أو النقص ، وأن أساس فاعلية أي عنصر أو أي عقار على الجسم ، هو انتقال بعض هذه الطبائع منه إلى الجسم ، على أن تؤخذ هذه الطبائع بمعناها المجرّد ، وليست على أنها انتقال جزئيات من الجسم ذي الخاصة إلى الجسم الآخر . وهذا معناه أن الطبائع هي قوى لها كيان خاص وأن هذه القوى مشحونة في جوهر افتراضى . وقد ذهب الفلاسفة الأيونيون منذ القرن السابع قبل الميلاد إلى أن هذه الطبائع