عبد اللطيف البغدادي

63

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

يقرأ الطب عليه ، وهذا - حسب قوله - لقصور القول عن العيان ، فما كان منه إلّا أن اصطحبهم إلى المقس ( من ضواحى القاهرة ) حيث قيل له إن به تلّا عليه رمم ، فشاهد مع الطلبة بقايا ما قدره بعشرين ألف ميت ، وعاينوا من شكل العظام والمفاصل وكيفية اتصالها وأوضاعها ما لا يستفاد من الكتب لأن الكتب كقوله « إما أنها سكتت عنها أو لا يفي لفظها بالدلالة عليها » أو « لأن ما شاهدوه كان مخالفا لما قيل فيها » ، وأضاف : « والحس أقوى دليلا من السمع فإن جالينوس وإن كان في الدرجة العليا من التحري والتحفظ فيما يباشره ويحكيه فإن الحس أصدق منه ثم بعد ذلك يتخيل لقوله مخرجا إن أمكن فمن ذلك عظم الفك الأسفل فإن الكل قد اتفقوا على أنه عظمان بمفصل دقيق عند الحنك وقولنا الكل إنما نعنى به هاهنا جالينوس وحده فإنه هو الذي باشر التشريح بنفسه وجعله دأبه ونصب عينه وصنف فيه عدة كتب معظمها موجود لدينا والباقي لم يخرج إلى لسان العرب ، والذي شاهدنا من حال هذا العضو أنه عظم واحد ليس فيه مفصل ولا درز أصلا ، واعتبرناه ما شاء اللّه من المرات في أشخاص كثيرة تزيد على ألفي جمجمة بأصناف من الاعتبارات فلم نجده إلا عظما واحدا من كل وجه ثم إننا استعنّا بجماعة مفترقة اعتبروا بحضرتنا وفي غيبتنا فلم يزيدوا على ما شاهدناه . . ثم إني اعتبرت هذا العظم أيضا بمدافن بوصير القديمة . . فوجدته على ما حكيت ليس فيه مفصل ولا درز ، ومن شأن الدروز الخفيفة والمفاصل الوثيقة إذا تقادم عليها الزمان تظهر . . . » . وعبد اللطيف في هذه النبذة القصيرة - التي أذاعت صيته أكثر من مؤلفاته الضخمة الأخرى - يظهر مظهر عالم واقعي مدرك لقوانين البرهان ، غير متمسك بأقوال من سبقه ، ومعتمد على الملاحظة المباشرة أكثر من اعتماده على مجرد سعة الاطلاع . إذا أثيرت صعوبة في تفهم الكتب لا يبحث عن مراجع أخرى ، ولا عن تآويل مدرسية أو تعليقات المفسرين بل نراه يلجأ إلى محك المعاينة المباشرة ، فيبحث عن العظام ويتفحصها ، وهذا « لقصور القول عن العيان » .