عبد اللطيف البغدادي

64

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

ولعل القارئ يستعجب إعجاب العالم العلمي بهذه النبذة إن لم يتأمل في سلوك علماء عصره جالينوس ومن تبعهم قرونا طويلة ، الذين كانوا يغالطون أنفسهم ويكذبون أعينهم ولا يجرءون على نقض قول لجالينوس . لقد استمر رأى جالينوس في « عظمتي » الفك زمنا طويلا . فقد أخذ برأيه ابن سينا عند وصفه تشريح عظام الفكّين حيث قال : « أما الفك الأسفل فصورة عظامه ومنفعته معلومة وهو أنه من عظمين يجمع بينهما تحت الذقن مفصل موثق » . واستمر هذا الرأي سائدا حتى بعد عبد اللطيف ، إلى أن أعاد نقده عملاق التشريح فييزاليوس Vesalius في القرن السادس عشر . وكأننا عند قراءة وصفه نستمع إلى عبد اللطيف يملى ملاحظاته على تلاميذه . قال فيزاليوس : « ولكن الفك في الإنسان مكوّن من عظمة واحدة . . . ولم ألاحظ إلى الآن أنها تنفصل بالطبخ أو بالتحلّل في جوف الأرض ، وإني قد تفحصت أعدادا كبيرة من عظام الفك الأسفل وبخاصة في مقبرة الأبرياء ( Innocents ) بباريس ، وكذلك في نواح أخرى ، ولم أجدها البتّة منقسمة إلى عظمتين » . ومع ذلك فإن ( سلفيوس ) ( Sylvius ) تحدى فيزاليوس وأصر على أن هناك وصلة بين العظمتين وإن كانت مستترة تحت زوائد من العظم ( 25 ) . لم يكتف عبد اللطيف بتأكيد أن الحس أصدق من قول جالينوس ، ولكنه تطاول عليه ونعته بالافتعال والكذب إذ قال إن هذا العالم يتخيل للأمور مخرجا . وهذه تصريحات لو أنها أدلى بها في الغرب ، لعرضت قائلها للحرق والتعذيب ، لتعرضها لهالة التأليه التي أحاطت بالعالم الإغريقي . ولنتأمل طريقة عبد اللطيف في سياقة البرهان ، إن البغدادي لم يكتف بمشاهدة فك واحد ، ولا بمشاهدته الشخصية له إذ أنه لم يفته احتمال وقوعه مصادفة على ( فلتة ) من الطبيعة ، أو على ميزة محلية ، كما لم يفته احتمال حدوث تطوّر في تكوين الإنسان على مرّ القرون .