عبد اللطيف البغدادي
53
مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية
يتبع هذا وصف لمدينة منف ، وتاريخها ، والتماثيل الضخمة التي تزدان بها ، ودقة نحتها ، وآثارها التي قال عنها إنها تفوت فهم الفطن المتأمل ويعجز عن وصفها أبلغ لسان ، مع قدم عهدها وتداول الكوارث عليها ومحو الأمم لآثارها . وقد علق على عبادة هذه الأصنام التي حرمها الأنبياء فقال : « ولما كان النصارى معظمهم وجمهورهم أقباط وصابئة نزعوا إلى الأصل ومالوا إلى سنة آبائهم القديمة في اتخاذ التصاوير في . . . هياكل عباداتهم وبالغوا في ذلك حتى تصوروا إلههم والملائكة حولهم بزعمهم ، وجميع ذلك لبقايا فيهم من سنن أوائلهم وإن كان الأوائل يكبرون الإله أن يدخل تحت إدراك عقلي أو حسى فضلا عن تصوير ، وإنما سهّل ، على النصارى ذلك . . . اعتقادهم الإلهية لبشر . وفي هذه النبذة عن الآثار يعجبنا تأمله فيها ، واحترامه لمعانيها ، ورده الحاضر إلى الماضي ، ومحاولته تفهم عوائد الناس إذا اختلفت عن عوائده والبحث عن أسبابها ، وعموما عدم توقفه عند سطح الأمور . وقد وجد علل مراعاة الملوك إبقاء هذه الآثار من العبث بها وإن كانوا أعداء لأربابها منها ، ومن هذا أنهم قصدوا إبقاءها على شكل تاريخ يدلنا على الأحقاب ، أو لتكون شاهدة للكتب المنزلة إذ أن القرآن الكريم ذكرها وذكر أهلها ، أو مذكرة بالمصير ومنبهة على المآل ، أو دليلا على شئ من أحوال السلف وعلومهم . وتحسر البغدادي على انصراف معاصريه إلى شئ عدوّه أجل شئ في قلوبهم ، وهو الدينار والدرهم ، وقال إن حالهم حال أحد هواة الكأس الذي قيل فيه : وكل شئ رآه ظنه قدحا * وكل شئ « 1 » رآه ظنه الساقي فظنوا أن كل شق يفضى إلى كنز ، وكل صنم حافظ لمال ، فهدموا وأفسدوا ونقبوا بحثا عن المال حتى أن الأثرياء منهم أضاعوا ثرواتهم في هذا العبث وأنهم كان بعضهم وجد بعض الأشياء المصنوعة من الذهب فشجعه هذا على الاستمرار
--> - والثانية في خلال الاضطرابات وتكرار النزاع بين الوثنيين والمتزمتين من المسيحيين ، ( 1 ) في الهامش وردت : امرئ .