عبد اللطيف البغدادي
48
مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية
وبسبب صعود الفيضان في الصيف فإن الفصول متغيرة عن طبيعتها ، فإن الصيف والخريف - وخاصيتهما في سائر البلاد اليبس - تكثر فيهما الرطوبة في مصر ، أما استغراب البغدادي هذه الظاهرة فإنه طبيعي ، وهو من العراق والشام التي تختلف ظروفهما عن ظروف إفريقيا . ثم ربط البغدادي - أسوة بأستاذه أبقراط - بين المناخ وأمزجة السكان وأمراضهم ، فقال إن العفونة تسود في الشتاء والربيع ، وإن الأمراض الحادثة عن أخلاط صفراوية وبلغمية تغلب على أهل مصر ، وإنه قلما توجد أمراض صفراوية خالصة ، وله في هذا الصدد بعض الملاحظات ، مثلا : « يغلب في أهلها الترهل والكسل وشحوب اللون والنحافة في الشباب والبدانة بعد العشرين وإن المصريين أذكياء وأذهانهم متوقدة وحركاتهم خفيفة لحرارة بلادهم » . و « إن السمرة تغلب عليهم في الصعيد والبياض من فسطاط إلى دمياط » ، وهذه ملاحظات لا تأتى إلا من شخص سجل كل ما وقعت عليه عيناه . وإلى ذلك قال إن الفأر الذي يتولد من الطين يتكاثر لشدة درجة الرطوبة ، أما العقارب فإنها تكثر في مدينة قوص ( وهذه هي الحال حتى اليوم ) . وكذلك البق والذباب والبراغيث فإنها تدوم زمنا طويلا . وعزا اختيار المصريين القدماء لمنف ، والإغريق للإسكندرية ، عاصمتين لهما ، إلى بعدهما عن جبل المقطم ، لأن هذا الجبل يحجب الشمس ويمنع ريحا اسمها الصبا عما في لحفه . ثم وصف ريحا أخرى باردة تهب من الجنوب وتسمى المريس لمرورها على أرض مريس بالسودان . الفصل الثاني : يفرد الفصل الثاني وعنوانه : فيما تختص فيه من النبات ، نبذة لكل نبات شاهده : البامية وطريقة طهوها ، والملوخية وقال إنها كثيرة اللعابية « 1 » ، ونوعا من الخبازى يسمى ملوخية السودان أو الشوسندبا ، وذكر
--> ( 1 ) ترجم المؤلفان السالف ذكرهما هذه الكلمة فقالا إن معناها أن الملوخية تدر اللعاب ، والمقصود هنا أن الملوخية تحوى مادة لزجة كاللعاب ، فاللعابية شراب يتخذ من الأثمار -