عبد اللطيف البغدادي
46
مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية
العصر . . . ومفترض الطاعة بموجب شريعة الإسلام خليفة اللّه في أرضه ومنتهى مقرّ وحيه والقيم على العالم بإمضاء أمر اللّه تعالى . . سيدنا ومولانا الإمام الناصر لدين اللّه أمير المؤمنين ( وهو أبو العباس أحمد الناصر لدين اللّه الذي تولى الخلافة سبعا وأربعين سنة أولاها سنة 575 ه ) ( 1180 م ) . هذا المؤلف اذن مستخلص من كتاب أوسع ، وهو مبنى على مشاهدات شخصية . وإننا ، إذ نأسف لضياع الأصل الأوسع ، لا يسعنا إلا الإعجاب بروحه العلمية التي أرادت اختيار ما شاهده المؤلف بنفسه دون المبالاة بما وصل إلى مسامعه . ولا يسعنا أيضا إلا المقارنة بما فعله الرازي عندما جمع ( الحاوي ) كل المعلومات والأقاويل الشائعة ، ثم وضع نخبة خبرته في مؤلفات أخرى ، مثل ( الفصول ) و ( المشاهدات ) . والجديد في هذا الاتجاه هو تفضيل الخبرة على مجرد الاطلاع ، في وقت كان يقاس فيه صدق الأخبار بشهرة راويها أو بقدم تصنيفها فحسب . ويقع المؤلف في مقالتين ، والمقالة الأولى مقسمة إلى ستة فصول ، أولها ( في خواص مصر الهامة ) يتناول جغرافية سطح مصر ، فيصفها بأنها واد يكتنفه جبلان ينساب النيل بينهما ، ويقترب الجبلان في إسنا ويبتعدان في الفسطاط حيث ينفرج الوادي ، أما النيل فقد قال إن منبعه في جبال القمر وراء خط الاستواء بإحدى عشرة درجة على زعم البعض « 1 » ، ويدخل النيل بين الجبلين في أسوان وهي مبدأ أرض مصر « 2 » ، وتقع أسوان على خط عرض اثنتين وعشرين
--> ( 1 ) أحسن البغدادي في قوله ( على زعم البعض ) ، فان أبعد أصول النيل جنوبا قمة لوفيرونزا التي تقع على ثلاث درجات وخمسين دقيقة جنوب خط الاستواء . أما جبال القمر وهي جبال الروينزورى فهي تقدير حسن لأصل النهر ، وهو إن كان لم يوفق إلى تحديد المنابع بدقة تامة ، إلا أن تقديره دقيق نسبيا ولا سيما في وقت لم تكتشف فيه منابع النهر . ( 2 ) دخلت الجيوش الاسلامية دنجلا سنة 652 م وأجبرت ملكها على دفع الجزية ، ولكن مملكة دنجلا ظلت مسيحية ومستقلة حتى اقتحمت جيوش المماليك النوبة في القرن الرابع عشر الميلادي ، أي بعد وصف البغدادي بقرنين .