ابن رشد
39
مجموعة تلخيصات ابن رشد از تأليفات جالينوس
وصناعة الطب ، إنما تطلب رد المزاج الخارج عن المعتدل إلى المعتدل ، بأن تسخن ما صار أبرد من المعتدل ، بقدر ما نقص عن المعتدل ؛ وتبرد ما زاد على المعتدل في السخونة ، بقدر / / ما زاد عليه . وكذلك يفعلون فيما خرج عن الاعتدال إلى اليبوسة أو الرطوبة ؛ فقد كان يجب عليهم أن يذكروا ، أولّا ، هذا المزاج ، ولا بلغوا ذكره إلّا أن بعضهم قال : « إنّ هذا المزاج محصور في الحار الرطب » . فيقال لهم ، يقولوا : « إنّ الأمزجة خمسة » . وذلك أنه لا يخلو الأمر من أحد وجهين ، إما أن تكونوا تركتم واحدا من أصناف الأمزجة الردئة ، وهو الذي تغلب عليه الحرارة والرطوبة غلبة مفرطة ، وإما أن تكونوا تركتم المعتدل ، وهو الأظهر من قولهم . وذلك أن قولهم : « مزاج حار يابس ، أو بارد رطب » ، ليس ينبغي أن يفهم من ذلك الكيفيات الغالبة على ذلك المزاج ؛ فإن كان المعتدل ، هو المزاج الحار الرطب ، فقد تركوا المزاج الحار الرطب المضاد للبارد اليابس ، وهو الذي يغلب عليه الحر والرطوبة ، والمعتدل ، هو الذي لا يغلب عليه كفية من الكيفيات غلبة إفراط . فإن كان المعتدل الحار الرطب ، كان الحار قد وضع غالبا فيه غير غالب . وكذلك يكون الرطوبة غالبة لا غالبة ، وذلك مستحيل . فينبغي أن يكون مزاجا ردئا ما تغلب الحرارة والرطوبة عليه . قلت هذا لا يلزمهم ، لأن الحار الرطب يختلف بالأقل والأكثر ؛ فتكون الغلبة التي للمعتدل منه دون الغلبة التي في الردئ منه . وقوله : « إنّ المزاج المعتدل ؛ هو الذي لا يغلب عليه كيفية من الكيفيات غلبة إفراط » ، هو حق ؛ ولكن ، يلزم أن يكون بعض الكيفيات ، هي الغالبة عليه ، لا غلبة مفرطة . وذلك أنه قد تبين في العلم الطبيعي ، أنه لا يكون كون للمركبان إلّا بغلبة الكيفيات / / الفاعلة ، وهي الحرارة والبرودة للمنفعلة ، وهي الرطوبة واليبوسة ؛ وأن تكون المتضادة من كل واحد من هذه ، هي الغالبة لضدها ؛ حتى تكون الحرارة ، هي الغالبة للبرودة والرطوبة لليبوسة في الحيوان . وإنما يسمّي هذا المزاج « معتدلا » . بالإضافة إلى جودة أفعال الحيوان ، وبالإضافة إلى الأطراف الخارجة عن هذا المزاج في النوع الواحد بالزيادة والنقصان . فأما المعتدل ، الذي يتصور فيه تساوي الكيفيات على الحقيقة ، فليس يمكن أن يوجد . على ما تبين ، ممّا قلناه . وسنبين هذا أكثر بعد . قال جالينوس فزعم هؤلاء أن من خواص المعتدل أن يكون الحار فيه أكثر من البارد ، والرطب أكثر من اليابس ؛ لأن البارد ، إذا غلب عليه غلبة يسيرة ، أحدث سوء مزاج ؛ وإذا غلب أكثر ، أحدث مرضا ؛ وإذا غلب عليه غلبة شديدة ، أحدث موتا . وكذلك يعرض في اليابس .