ابن رشد

40

مجموعة تلخيصات ابن رشد از تأليفات جالينوس

قال ويلزمهم مثله في المزاج الحار الرطب ، أعني ، أنه إذا غلب غلبة يسيرة ، أحدث مرضا ؛ وإذا غلب غلبة مفرطة ، أحدث موتا ؛ لأن القياس فيهما واحد . قلت إنّ الفرق بينهما ، أن الحار الرطب يوجد في جنسه المعتدل وغير المعتدل ؛ والبارد اليابس ، لا يوجد في جنسه المعتدل . وذلك أن هؤلاء يقسمون المزاج الحار الرطب . فيقولون : « منه معتدل » ، « ومنه خارج عن الاعتدال » ، ولا يقولون ، في سائر الأمزجة ، ذلك . قال جالينوس ولا يظن بنا ، أنّا من لا نذم حال الهواء ، الذي قد غلبت عليه الحرارة والرطوبة غلبة إفراط ؛ فقد بان أن الأمراض ، التي تكون غلبت عليها / / الحرارة والرطوبة غلبة مفرطة ، من جنس الأمراض القتالة . وذلك أنه قد كان يدفع هذا الرأي قوم من أصحاب ايثناوش ، الذي من إيطاليا ؛ وذلك أنهم كانوا يقولون : « إنّه لا يوجد مرض حار رطب ، ولا حالة من أحوال الهواء الحارة الرطبة تذم ؛ وإنما المذمومة الحارة اليابسة ، مثل الجمر ؛ أو الباردة الرطبة ، مثل الاستسقاء ، أو البارد اليابس ، مثل السوداء » . ويحتجون لذلك بأوقات السنة ، فيقولون : « إنّ الشتاء إنما صار غير معتدل ، لأنه بارد رطب ؛ والصيف غير معتدل ، لأنه حار يابس ؛ والخريف ، لأنه بارد يابس ؛ وإنما صار الربيع معتدلا ، لأنه حار رطب » . وكذلك يحتجون في هذا بالأسنان ؛ فيقولون : » إنّ سنّ الصبا إنما صار معتدلا ، لأنه حار رطب » . ويقولون : « إنّ الدليل على اعتدال مزاج هذا السن ، أفعال الطبيعة فيه ؛ لأنها ، في هذا الوقت ، توجد أفضل ما هي عليه » . ويقولون : « إنّ الدليل على أن الحياة حارة رطبة ، أن الموت ، الذي هو ضدها ، هو بارد يابس » . قالوا : « وإذا كان ذلك كذلك ، فالمزاج الحار الرطب ، هو أعدل الأمزجة » . وقولون : « إنّ أرسطاطاليس وتاوفرسطس كانوا يعتقدون هذا الرأي » . قلت قول هؤلاء ، « إنّ كل مزاج حار رطب » ، هي إفراط ، كما قول جالينوس ، « إنّ كل مزاج حار رطب مرضّي » ، إفراط أيضا . قال وسأبيّن أن هذا لم يكن من مذهب أرسطو ، وأن آل ايثناوش لم يفهموا قوله ، على ما ينبغي . وأما في العاجل ، فإنّي أروم لمن قال بهذا القول ، أن يبين له أن يغالط نفسه وأنا أبين ذلك بأن أجمع قولهم في جملة واحدة . فأقول : إنّ قولهم ، « إنّ الربيع / / حار رطب وليس هو معتدلا » ، خطأ بيّن جدا . وذلك أن الربيع ليس هو من الرطوبة بحال الشتاء ، ولا من الحرارة بحال الصيف ؛ فيجب من ذلك ألا يكون واحدة من هاتين الكيفيتين فيه مفرطة وقول أولئك ، « إنه حار رطب » ، يدل على أن هاتين الكيفيتين غلبة مفرطة .