ابن رشد
31
مجموعة تلخيصات ابن رشد از تأليفات جالينوس
ما له دم من الحيوان ، إنما حدوثها عن الدم الذي ينصب إلى الرحم ، اتّفقوا على أن الدم من هذه العناصر . لكن لمّا كان الدم يظهر أنه يشوبه البلغم والمرتّان السوداء الصفراء ، فبالواجب ما اختلف الناس . فقال بعضهم إنّ كون الإنسان إنما هو عن الدم فقط . وقال بعضهم : إنه من الأخلاط الأربعة ؛ وهو قول إبقراط . قال وليس يمكن أن نأتي في ذلك برهان قاطع ، كما أمكننا ذلك في أمر الأسطقسات . وذلك أن لكل واحد برهانا يدّعيه ؛ ولكن أنا ملتمس أن أبين ما أدّعى إبقراط أن يتوهم أن أصح القولين ، هو القول بأن الأخلاط الأربعة ، هي العنصر لجميع أعضاء الإنسان ، وذلك أن كل واحد من الأعضاء البسيطة المتشابهة الأجزاء ، وجدناه مخالفا في مزاجه للدم ، وبعضها مخالفا لبعضها في المزاج الغالب ، مثل مخالفة اللحم للعصب والعصب للعظام . فإن اللحم حار رطب ، والعروق حارة يابسة ، والدماغ بارد رطب ، والعظم بارد يابس ، وكذلك العصب . والمختلفة ، واجبة ؛ ألا يكون عن أسطقس واحد . فان كانت من الدم . فالدم ضرورة من أسطقسات مختلفة . وذلك أن الدم ، الذي يخلق منه الجنين ، يجب أن يكون الجزء الذي يخلق منه العظم ، غير الجزء الذي يخلق منه اللحم . وكذلك الحال في عضو عضو ؛ فيخلق من الجزء البارد ، اليابس ، الذي فيه العظم ؛ ومن الحار الرطب اللحم ، ومن البارد الرطب الدماغ ، ومن الحر اليابس العروق الضوارب / / . وكذلك غذاء كل واحد من الأعضاء يكون من العنصر الشبيه به . وإذا كان الدم بهذه الصفة ، فالجزء اليابس ، الذي فيه ، هو الصفراء حارة يابسة . والجزء ، الذي فيه البارد الرطب ، هو البلغم ؛ والجزء البارد اليابس ، هي المرة السوداء ؛ والحار الرطب هو الدم الخالص نفسه . وقد يشهد لهذا ، ما نرى من اختلاف أجزاء الدم ، فإنّا نرى فيه ما هو أسود لغلبة السوداء عليه ، وما هو أصفر رقيق لغلبة الصفراء عليه ، وما هو أبيض غليظ البلغم لغلبة البلغم عليه . وهو وإن كان واحدا في الحس ، فهو في ذلك كاللبن . فإنه كما اللبن ، إذا فسد ، قد ينحل إلى جبنيّه ومائية ؛ كذلك الدم ، إذا فسد ، انحل إلى جزء شبيه بالمائيّة التي في اللبن ، وإلى جزء غليظ شبيه بالجبن ، وهو كالثفل العكر الذي فيه . وقد نرى في الدم خيوطا ، إذا عزلت عن الدم ، لم يجمد الدم ؛ فالدم ، كما قلنا ، يظهر اختلافه في لونه وقوامه ، إلى أجزاء شبيهة بالأخلاط الثلاثة ، فهو ضرورة مركبة منها . قلت قال جالينوس : « إنّ هذا البرهان ليس بقطعي ، من قبل أنه إذا كانت في الدم أجزاء حارة يابسة على لون الصفراء ورقتها ؛ وأجزاء باردة يابسة على لون السوداء وغلظتها ؛ وأجزاء باردة رطبة على لون البلغم وغلظها ؛ وكانت الصفراء حارة يابسة بذلك