ابن رشد

82

مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )

وإذ قد تقرر هذا ، فلنرجع إلى تلخيص قول جالينوس فيما بقي من هذا المعنى . فإنه لا يخفى عليك ما يقع من الاضطراب في أقاويله وأقاويل خصومه . ( 30 ) قال : فأما أنا فأبلغ من بعدى أنا ، وفهم على أن الربيع حار رطب ، وعلى أن الشئ المعتدل حار رطب ، أن أقول ضد ما قالوا ، فأقول إن شر حالات الهواء هو الحار الرطب . وهذه الحال إنما توجد للهواء في حال الوباء ، لا في حال وقت من أوقات السنة الطبيعي . وقد ذكر أبقراط في كتاب أفيديميا ما عرض في هذه الحال من الهواء للناس من الأمراض . وهذا لفظه ، قال الجمر الصيفي الذي عرض لمدينة قرابون جامطرجود في وقت حر شديد ، ودام ذلك الصيف كله ، وكان أكثر ما يكون عن الجنوب ، فكان يحدث تحت الجلد صديد ، وإذا احتقن سخن وأحدث حكة ، وكانت تحدث نفاخات مثل ما يعرض من حرق النار . وكانوا يظنون أن الذي تحت الجلد كأنه قد احترق . ( 31 ) قال : ولا يشك أحد أن ما ذكره من حال هذا الهواء ، يدل على أنه كان حارا رطبا ، لكون هذا التغير إنما كان في وقت واحد من أوقات السنة كانت البلايا الحادثة عن هذا المزاج أقل ، فإن تغير إلى هذا المزاج وقتان من أوقات السنة ، أو ثلاثة ، أو السنة كلها ، حتى صارت كلها حارة رطبة ، عرض عن ذلك أعظم ما يكون من الوباء ، مثل الوباء الذي ذكر أبقراط في ذلك الكتاب في المقالة الثالثة منه ، حين ذكر أنه حدث أمطار كثيرة في حال من الهواء حار . وذكر في السنة من الأعراض الحادثة في جميع تلك السنة ما حكم من قبل ذلك . على أن السنة كلها كانت حارة رطبة ، حتى بلغت العفونة التي عرضت لكثير من الناس مع حدوث الجمر والحميات أن يسقط من بعضهم العضد والساق بأسره ،