ابن رشد
76
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )
( 18 ) قال جالينوس : ولا يظنّ بنا أحدّ ممن يذمون حال الهواء الذي قد غلبت عليه الحرارة والرطوبة غلبة إفراط . فقد بان أن الأمراض تكون غلبت عليها الحرارة والرطوبة غلبة مفرطة من جنس الأمراض القتالة وذلك أنه قد كان يدفع هذا الرأي قوم من أصحاب اثيناوس الذي من إيطاليا وذلك أنهم كانوا يقولون إنه لا يوجد مرض حار رطب ولا حالة من أحوال الهواء الحارة الرطبة تذمّ وإنما المذمومة اليابسة مثل الجمر ، أو الباردة الرطبة مثل الاستسقاء ، أو البارد اليابس مثل السوداء . ويحتجون لذلك بأوقات السنة فيقولون : إن الشتاء إنما صار غير معتدل لأنه بارد رطب ، والصيف غير معتدل لأنه حار يابس ، والخريف لأنه بارد يابس . وإنما صار الربيع معتدلا لأنه حار رطب . وكذلك يحتجون في هذا بالأسنان فيقولون : إن سر الصبا إنما صار معتدلا ، لأنه حار رطب ؛ ويقولون : إن الدليل على اعتدال مزاج هذا السن أفعال الطبيعة فيه ، لأنها في هذا الوقت توجد أفضل ما هي عليه ؛ ويقولون إن الدليل على أن الحياة حارة رطبة أن الموت الذي هو ضدها هو بارد يابس . قالوا : وإذا كان ذلك كذلك ، فالمزاج الحار الرطب هو أعدل الأمزجة . ويقولون : إن أرسطاطاليس وثاوفرسطس كانوا يعتقدون هذا الرأي . ( 19 ) قلت : قول هؤلاء إن كل مزاج حار رطب هي إفراط ، كما أن قول جالينوس إن كل مزاج حار رطب ، مرض إفراط أيضا . ( 20 ) قال : وسأبين أن هذا لم يكن من مذهب أرسطو وأن آل اثيناوش لم يفهموا قوله على ما ينبغي ، وأما في العاجل فإني أروم لمن قال بهذا القول أن يبين له أن يغالط نفسه ، وأنا أبين ذلك بأن أجمع قولهم في جملة واحدة ، فأقول :